دانيال دبليو دريزنر
نروِ قصة اثنين من مقالات ستيفن والت: في المقال الأول يصرّ بعناد على أن دونالد ترامب ليس واقعياً، بغض النظر عما قد يقوله البعض، ويختم هذا المقال بالعبارات التالية: “ثمة سبب أخير للتشكيك في واقعية دونالد ترامب. يعتقد كثيرون أن آراء أوباما في السياسة الخارجية تعكس وجهة نظر واقعية ويستشهدون بمقابلته الأخيرة في مجلة أتلانتيك، معتبرين إياها دليلاً داعماً، وبما أن ترامب ينتقد أوباما بشدة، فمن الصعب أن نفهم كيف يمكن تصنيفهما كليهما “واقعيين”، وسأتناول موضوع “واقعية” أوباما الأسبوع المقبل”.
تمر ستة أيام فنحظى بمفاجأة أخرى، فيشدد والت بإصرار على أن أوباما ليس واقعياً، بغض النظر عما قد يقوله البعض: “باختصار لم يعتمد أوباما سياسة خارجية “واقعية” لأنه لم يتبنَّ وجهة نظر واقعية بالكامل إلى العالم، لم يعيّن الكثير (أياً؟) من الواقعيين في مناصب مهمة، ولم يحاول حقاً تقويض إجماع الحزبين الذي يدعم الاستراتيجية الكبرى للهيمنة الليبرالية. وكما ذكرت سابقاً كانت السياسة الخارجية “الواقعية” بحق ستشمل الخروج من أفغانستان بسرعة عام 2009، وتحوّل “علاقاتنا المميزة” في الشرق الأوسط إلى علاقات طبيعية، وترفض صراحة أي توسع إضافي في حلف شمال الأطلسي، وتتفادى “تغيير الأنظمة” وغيره من أشكال الهندسة الاجتماعية الأخرى في بلدان أجنبية مثل ليبيا وسورية، وتعود إلى استراتيجية “التوازن الخارجي” المضبوط الواسعة التي خدمت مصالح الولايات المتحدة بفاعلية في الماضي”.
لكن أوباما نفسه وفريق حملة ترامب أصدر كل منهما تصريحات تؤكد دعمهما نظرة واقعية إلى العالم، كذلك أشار معلقون آخرون إلى أن ترامب وأوباما يُعتبران واقعيين إلى حد ما، كل منهما على طريقته، ولكن لمَ، في عالم يشتكي فيه الواقعيون باستمرار من تهميش تأثيرهم في السياسة الخارجية، لا يسير الواقعيون وراء هاتين الشخصيتين النافذتين سياسياً؟ لا أملك جواباً حاسماً عن هذا السؤال، إلا أنني سأطرح ثلاث فرضيات محتملة: الفرضية الأولى نظرية: أمضى الواقعيون قرناً في بناء صرح نظري بغية تفسير كيفية عمل العالم، ولكن من المشاكل التي نصادفها عند مناقشة ما إذا كان الشخص واقعياً أو لا واقع أن نسخ الواقعية الأكاديمية كثيرة (الواقعية الكلاسيكية، الواقعية الهجومية، الواقعية الدفاعية، الواقعية البنيوية الجديدة، الواقعية الكلاسيكية الجديدة). لذلك لا يسعك إلا أن تتساءل عما إذا كان الشخص واقعياً حقاً؟ وفي الوقت عينه يقدّم الواقعيون أيضاً تعريفاً معيارياً بشأن ما يجب أن تكون عليه السياسة الخارجية الأميركية، لكن هاتين المقاربتين إلى الواقعية لا تنسجمان جيداً، ولا شك أن التصريحات المؤيدة للواقعية، التي يدلي بها أوباما وترامب، تعكس هذا التناقض.
الفرضية الثانية أنثروبولوجية: فخلال مراقبتي عن كثب الواقعيين الأكاديميين العصريين، لاحظت أن موقفهم الفكري المفضّل يقوم على الرفض والتصحيح، أقصد بذلك أن الواقعيين يميلون إلى الاعتقاد أنهم ينطقون بحقائق قوية عميقة، في حين ألا أحد يصغي إليهم، ولا شك أن هذا موقف فكري مثالي لأنه يعني أن باستطاعة الواقعيين إصدار تصريحات جريئة من دون أن يكون لكلامهم أي تأثير في العالم لأن لا أحد يأبه لما يقولونه على ما يبدو، ولكن لو بدأ السياسيون الحقيقيون، معاذ الله، بتنفيذ ما ينادون به، لحظوا بسلطة ومسؤولية حقيقيتين، وهذا مخيف؛ لذلك من الأفضل أن يبقى المرء منعزلاً ومحقاً وألا يُضطر إلى تصفيف شعره.
الفرضية الثالثة سياسية: كما ذكرت سابقاً، لم يحظَ السياسيون الأقرب إلى الواقعية خلال السنوات الأخيرة بشعبية كبيرة، صحيح أن أوباما يتمتع بشعبية واسعة راهناً، إلا أنه لا علاقة لذلك بالسياسة الخارجية، والحق يقال كان غير الواقعين الأشد توقاً إلى وصف ترامب بالواقعي؛ لذلك نلاحظ أسباباً منطقية ووجيهة تبرر رغبة الواقعيين في النأي بأنفسهم وبنظرتهم إلى العالم عن أشخاص مماثلين.