Pdf copy 1

رضا المحمداوي

اضطربت الحياة العامة في العراق لسنوات طويلة مضت وكادت تخلو من فترات استقرار وهدوء وسكينة، حتى بدت الحياة بالنسبة لنا لفرط اضطرابها وارتجاج الأرض التي نقف عليها كأننا نعيش في منطقة نشاط زلزالي عراقي لا يهدأ ولا يستكين؛ فكم هزة سياسية واقتصادية واجتماعية شهدناها وعشنا هولها وصدمتها والآثار المترتبة على تلك الهزة حيث تتهاوى القيم والاعتبارات ويتشوه حتى المعنى الإلهي للحياة التي وهبهها لنا الله سبحانه وتعالى وترك لنا الحرية كاملة لنحياها على وجه البسيطة.
مر أكثر من 35 عاما على بدء الحرب العراقية – الإيرانية التي اشتعل اوارها في أيلول من العام 1980، ولم تنته في 8/ 8 /1988 إلا وقد سلمتنا الى حرب اخرى توجها النظام الدكتاتوري بحماقة صدامية بامتياز تمثلت بغزوه واحتلاله لدولة الكويت الجارة الشقيقة العام 1990، وانتهت تلك الحماقة بهزيمة منكرة للجيش والنظام الصدامي العام 1991 لتندلع شرارة الانتفاضة الشعبية في المحافظات العراقية، وسرعان ما قمعت تلك الانتفاضة بتواطؤ أميركي مشهود مع بقايا الجيش الصدامي المنكسر، لتنتهي سياسة الاحتواء الاميركي للنظام الصدامي الى سنوات حصار عجاف امتدت لسنوات طويلة قبل ان تعلن واشنطن فشل سياسة الاحتواء السابقة والإعلان رسميا عن قانون غزو العراق الذي بدأ فعليا في شهر آذار من العام 2003 وانتهى رمزيا بسقوط تمثال الدكتاتور صدام في ساحة الفردوس في 9 / 4 من العام نفسه.
ولم تكن السنوات التي أعقبت سقوط النظام الصدامي إثر الغزو الأميركي للعراق وسقوط الدولة العراقية معه، بالصورة المتفائلة التي كنا نحلم بها؛ وحتى النظام الديمقراطي الذي أرست دعائمه القوة الأميركية المحتلة، وظنت انه النظام البديل المناسب الذي سينقل العراق الى خانة الدول المستقرة التي ترفل بالحياة السعيدة الهانئة.. لم يكن هذا النظام الديمقراطي بحلته الوردية ليزيد العراق إلا اضطرابا وعنفا وقسوة وضياعا لاتجاه البوصلة التي ترشدنا الى الطريق الصحيح لبناء المجتمع والدولة ومرتكزاتها ومؤسساتها.
فهل حمل العراق القدر التراجيدي الاغريقي وحكم عليه بأن يكون استنساخا مشوها، وإعادة إنتاج باهتة لإحدى الأساطير التي تحكم على شعب ما، أو أمة ما، أو مجتمعٍ ما باللعنة الأبدية التي لا فكاك منها حيث العذاب المستمر وإنتاج الحلقة المفرغة، والاضطراب وعدم الاستقرار والإحساس الكبير بعدم الجدوى والعبث الحياتي الذي لا طائل من ورائه؟.
وفي السياق ذاته هل يمكننا أن نتساءل: كيف أصبح العراق وجودا أو خلقا أسطوريا غضبت عليه الآلهة فحلت عليه اللعنة الأبدية؟
فها هي الحروب وقد تناسلت، والجيل يسلم الجيل الذي بعده نار الحرب ودخان الخراب والانقاض مع شعور بالخيبة والخوف من المجهول والترقب الحذر لما تخبئه لنا الحياة والأيام التي تكر علينا مسبحتها!!
فهل دورة التاريخ العراقي عبر أجياله المتعاقبة، والتجربة الحياتية التي استقرت في الذاكرة الجمعية من خلال تلك الدورة التاريخية غير قابلة للقراءة من أجل التعرف على أسباب هذا النكوص الدائم وخيبة الأمل التاريخية التي لا فكاك منها قبل أن تتحول الى استسلام بارد للتراجيديا العراقية والتسليم بما تجود به علينا تلك التراجيديا من موت ودم وضحايا أبرياء لا ذنب لنا في التاريخ سوى اننا أفراد يحملون الهوية العراقية أبا عن جد!!
وكنا كلما تأزمت الحياة واختنق معناها لدينا، وكلما ضربتنا موجات «تسونامي» مضطربة ازداد الأمل في عيوننا بأن نرى نهاية لكل ذلك الاختناق؛ حالمين باستنشاق هواء غير ملوث، مشبع بالأوكسجين النقي.. لكن سرعان ما ينتهي ذلك الترقب المشوب بالأمل والتفاؤل الى دورة عنف جديدة، وأزمة تنتج أخرى، ولتتجدد بعد ذلك سنوات الاضطراب والأحزان والموت.
وأنا هنا لا أقصد لحظة الأزمة التي ما برحت تنتج نفسها مرارا وتكرارا في التاريخ العراقي الراهن بمفصله الزمني الصعب، ولكني أقصد زمن الأزمة المفتوح لمديات واسعة والذي ينبغي لنا أن نستثمره من أجل أن نفتح نافذة باتجاه المستقبل المقبل علينا، وإلا فلا خلاص لنا من لعنة القدر العراقي الحزين.
دورة الأزمة والحرب، ومن ثم الموت المنبعث دوما من رمادها كانت تأخذ الوطن في رحلة حرب الى أخرى، ونحن خلال هذه الدورة نترقب وقف إطلاق النار على النار حتى أصبح الأمان والدعة والاستقرار كأنه امنية لا تتحق أبدا.. والحياة حتى الحياة أصبحت أمنية بحد ذاتها.
كم تحتاج من رعاية إلهية وحظ دنيوي، وقدرة إنسانية خارقة كي تبقى على قيد الحياة مجرد أسير بائس مقيد بقيد الحياة نفسها.. أما إذا أضفنا لتلك «الحياة» مجرد لمسة رومانسية حالمة لتكون جملة مفيدة مثل «حياة مستقرة» أو «حياة هانئة» أو «حياة طبيعية» أو «حياة عادية» فإن ذلك ليس حلما ورديا نحلم به ونسعى للحصول عليه، بل إنه وهم باطل، وحتى هذا الوهم لم تعد مخيلتنا وذاكرتنا المتعبة قادرة على أن تتخيله أو أن تصوغ صورة وهمية له.

التعليقات معطلة