عاطف محمد عبد المجيد
يستهل الشاعر محمود قرني ديوانه الجديد ” تفضَّل..هنا مَبْغى الشعراء “ الصادر عن دار شرقيات للنشر والتوزيع بالقاهرة، بمقولة للشاعر الروسي درجافين يقول في مَتْنها:
” مهما تضاربت الأقوال عن الشعراء، فإنهم فتيان ظرفاء، يصلحون قياصرة، عبيدًا، دودًا، وآلهة“ .
بداية يُعتبر محمود قرني واحدًا من أهم الشعراء الذين يكتبون القصيدة النثرية في الآونة الأخيرة، محافظًا، بما يمتلك من أدوات ورؤية خاصة، على إصراره دائمًا على كتابة قصيدة مختلفة عما يكتبه الآخرون:
” باسم أصدقاء كتبوا قصيدة مشتركة
يلتمسون منك قرضًا حسنًا
فماتوا مَدينين
بصناديق من الخمر المغشوشة والعظام النتنة هنا يتحدث قرني عن الشعر الذي يدعوه، باسم الفلاسفة الذين هبطوا إلى النهر، باسم عمَّال المطاعم الشعبية، باسم الزنابق التي تركها غذاءً للأفيال، وباسم أجيال من التعساء والحمقى، يدعوه إلى أن يتخذ طريقًا أخرى.قرني يضع الشعراء، في ديوانه هذا في مواجهة صريحة مع العلماء، الفلاسفة، الساسة، مشيرًا إلى الدور الذي يلعبه العلماء في الحياة، وكذلك الساسة، سواء أفسدوا الحياة أم أصلحوها، بينما تُخيّم على الشعراء حالة من العجز التام، نتيجة انسياقهم وراء أحلام، بل أوهام، مكتفين بكتابة قصائد لا تنفك تغادر الأوراق التي كُتبتْ عليها، دون أن يشاركوا فعليًّا في تغيير الواقع كما يفعل سواهم:
” الفيزيائيون كانوا يعملون بجد
على ملء فراغات
يعتقدون دائمًا أن الله تركها طعامًا لحكمتهم
فوضعوا صور شعرائهم في كسّارة العِظام…
وتركوا وصية في سجل الزائرين
تؤكد أن الإمبراطوريات الصالحة
هي التي تأخذ بيد العدالة
إلى عنبر الحُمّى
لتكشط عنها آثار الشعراء
بالمزيد من المطهر“.
كذلك يتهكّم قرني مما حدث في مُلتقيَا قصيدة النثر الأول والثاني اللذين انعقدا بالعاصمة المصرية القاهرة:
” على جثث الأعداء
انعقد الملتقى الأول لقصيدة النثر
وعلى جثث الأعداء أنفسهم
انعقد الملتقى الثاني
وأصدروا توصيات قالوا إنها من أجل المستقبل وهنا نصها:
السيدات والسادة… الشِّعر طيب
والحياة جميلة
النقد تحت سريرنا
واللغة مِلك لنا “.
قرني ينتقد هنا حالة الأدب عمومًا مُلقيًا باللوم على أضلاع الإبداع الثلاثة: المبدع، الناقد، والمتلقي.ليس هذا وحسب، بل إن معظم قصائد الديوان ما هي إلا انتقادات لاذعة لمفردات واقع سييء، استحال الجمال فيه قُبحًا، وسيطر على دفة سفينته مَن لا يستحقون إلا أن يرعوا أغنامًا في حقول برسيمٍ حين يؤذن الربيع بالرحيل.في المقطع الثاني من القصيدة التي يحمل الديوان اسمها، ويُسمّيها مدخنة الغلال، يرى قرني أن الشعراء غرقى، وأن رجال السلطة قد عادوا من الميدان للتو تاركين الثغور للقناصة الجُدد، غير أن الشعراء رغم غرقهم إلا إنهم ينتفضون بإباء كلما وقفوا أمام المرآة، ويختتمها قائلًا:
” الثورة كانت حظَّاظة نقشبندية
سرعان ما أغواها الشيطان
فمسخها مدخنة
في صومعة الغلال “.
وفي المقطع الثالث من القصيدة نفسها ينتقد قرني أحوال العرب المحدثين وهم يرتدون ساعات اليد السويسرية، رغم أنهم لا يتحدثون أبدًا عن الزمن، هؤلاء العرب المحدثين يطبخون الأعداء في الأفران البخارية ويقولون إن ذلك من أجل ملايين الجوعي.وفي قصيدته أغنية ليوم الأحد يرصد قرني العلاقة ما بين السياسي والمبدع عمومًا :
” إله الشرق
يحتقر صُناع اللغة
ويبول على مجازاتهم
يكره المجامع والدواوين
والقلوب الجافة “.
وفي المقطع الرابع من قصيدته أدوات الاستفهام يقول إن أصدقاء السفر تركوا له طبقًا وسكينًا وملعقة وأخذوا معهم الزاد والزواد وقالوا له عندما يتألم يقول آآآآه، غير أنه لم يسألهم كيف.ونهاية يذخر هذا الديوان بقصائد تحتمل تأويلات عديدة، إذا ما قُرِأت بتأنٍّ يليق بجمالها الشعري والإبداعي.