الشارقة / زيد الحلي
لم يكتف منظمو واداريو معرض الكتاب الدولي في الشارقة ، على حصولهم على مرتبة التميز والمكانة العالمية في مجال المعارض الدولية للكتاب ، والفعاليات الثقافية ، بل اتجهوا الى ريادة اخرى تتمثل في اقامة مهرجان ، هو الاول من نوعه عالميا تحت عنوان متفرد هو ( مهرجان الشارقة القرائي للطفل ) الذي انطلقت نسخته الثامنة قبل ايام قليلة وسط حشد من المثقفين والاعلاميين العرب والاجانب .
ماذا يعني اقامة هذا المهرجان ؟
لم اسأل احدا هذا السؤال ، غير اني تركت عيني وقلمي وذاكرتي ، تسجل وقائع هذا المهرجان ، فخرجت بانطباع بان للطفولة حقوق على الكبار وأولياء الامور ، وابسط هذه الحقوق ، هي العمل على اقامة المنتديات والفعاليات ونشر الكتب الخاصة بهم والتي تنمي فيهم الابداع .. اليس هم عماد المستقبل ؟
نعم ، ان فلذات اكبادنا الصغار ، هم حصاد المستقبل والجيل الواعد الذي يبني الوطن على أكتافه ، فبمقدار ما تبني من شخصية الطفل تبني في الوطن قوة ، وبجودة الفكر الذي تزرعه في ذهن الطفل ينمو ويترعرع ويتفاعل بمقتضى إيمانه بالفكرة التي نشأ عليها، فإذا ربّينا الطفل على أن المكتبة حياة ومصدر غذاء هام لا يقل أهمية عن الطعام والشراب نما الطفل في كامل حيويته الذهنية والنفسيّة والفكرية، إنه الغرس الذي ينبغي أن ترعاه وتسقيه علماً ومعرفة وثقافة لتقطفه ثمراً نافعاً للوطن مستقبلاً.
لقد تأكد لي وانا اتجول في اروقة المهرجان ، واشاهد جموع الاطفال وهم يتحلقون حول عناوين الكتب في اجنحة المعرض ، ان القراءة تشبع حياة الطفل وتثري خياله ، وترفع نسبة ذكائه وتساهم في رفع مستواه العلمي.
ومفرداته اللغوية وتهذب أسلوبه وتجعل منطوقه سليماً.
كما ان القراءة تزرع في الطفل القيم الروحية والأخلاقية إذا ما كانت الكتب والقصص تأخذ هذا الاتجاه الإيجابي ، وتكسب الطفل قدرة على الاتصال الجيد والتعبير كتابة وحديثاً ، وتعطيه ثقة عالية في نفسه.
كما تشبع القراءة فراغ الطفل وتشكل إحدى وسائل الترفيه والمتعة ، وتساعده مستقبلاً على البحث العلمي واستخدام مصادر الملومات بشكل جيد ،وتنمي قدرته على الخطابة ، والقراءة مصدر جيد للمعلومات المختلفة والخبرات المتعددة.
اهتمام ملحوظ ..
اعطى المهرجان اهتماما ملحوظا ، بالدوريات وبصناديق لعب الأطفال، ولوحات الإعلانات، وعربات الكتب، وخزائن الأرشيف، والأجهزة السمعية والبصرية، والكمبيوترات الخ .فعلى سبيل المثال لو سألنا افتراضيا : كيف نختار كتاب للطفل؟ فإن المهرجان يجيب بالقول : حين نختار كتب الأطفال ينبغي أن نضع أمامنا مراحل نمو الطفل نفسياً وتربوياً، كذلك نمو اللغة عند الطفل لنعلم احتياجات كل فترة من هذه الفترات من الكتب، فاختيار الكتب للأطفال لا يتم بتوجيه منهم مثل الكبار الذين يطلبون كتباً يمكن تزويدهم بها، ففي حال الطفل يختلف الوضع، فالطفل لا يعرف ماذا يطلب أن يقرأ ولكنه يقرأ إذا وجد مادة القراءة المناسبة ولهذا يحتاج بناء المجموعات إلى حنكة مكتبية وخبرة ميدانية في ميدان كتب الأطفال ودراية بعلم نفس الأطفال، حتى يعرفوا الكتب المناسبة للطفل لذا كان من المهم للذين يعملون في مكتبات الأطفال أن يكونوا من هؤلاء الذين درسوا التربية وعلم النفس بجانب علم المكتبات… وعند اختيارنا الكتاب المناسب للطفل ينبغي معرفة المرحلة العمرية له، فكل مرحلة لها خصائصها واحتياجاتها لنوعية الكتب، ولهذا تم تقسيم هذه المراحل من قِبَل الباحثين في شؤون الطفل ليعرف المعلم وأمين المكتبة نوعية الكتاب المناسب لطفل المرحلة الابتدائية أو المتوسطة حيث الطفولة المتأخرة وطبيعة الكتاب الذي يغذي فيه نوعاً هادفاً من المعرفة أو الخبرة… وهذا ما سعينا اليه في المهرجان .
الشكل والمضمون…
لقد راعى القائمون على المهرجان السمات الهادفة للكتاب المثالي الذي يجذب الطفل وينبغي على المهتمين في هذا الأمر الالتفات إليها شكلاً ومضموناً ، فأدركوا ان أول ما تقع عليه عينيي الطفل هو الشكل الخارجي للكتاب والذي يتمثل بالغـلاف ، فأقروا انه ينبغي أن يكون جذاباً وذو ألوان براقة ومصقولة ، وأن ينبغي الاهتمام بالصور التعريفية ، أكثر من الكلمات وينبغي أن تكون ملفتة لنظر الطفل وجذابة ومتقنة بشكل يفتح ذهنه للقراءة ، كما اكدوا على ان ورق الكتاب ينبغي أن يكون بجودة عالية وبوزن مناسب بحيث لا يكون سريع التلف أو التمزق نظراً لعبث بعض الأطفال وعدم القدرة في التحكم على بعض تصرفاتهم ، وان يكون طول وعرض الكتاب وسمك الورق وحجم الكتاب متناسبا مع سن الطفل، وأن تكون مقاسات الأحرف كبيرة ليسهل قراءتها في هذه المرحلة العمرية وهي في الغالب تقل حجماً مع تقدم عمر الطفل وبالنسبة لمضمون الكتاب فيجب أن يكون الأسلوب بسيط وواضح وبعيد عن الأخطاء ويمتلك مقومات العناصر الجيدة للقصة إذا كان الكتاب المقروء قصة وذات حبكة عالية ومضمونها مترابط ومفهوم.
من خلال الجولات الميدانية ، في اجنحة المعرض ، والالتقاء بالمعنيين بثقافة الطفل ، تأكد ان الكتابة للطفل فنّ صعب لا يمكن أن يخوض فيه إلا المتخصص في علم نفس الطفل والمتمرس في شؤون الأطفال خصوصاً كتابة القصة باعتبارها الفن الأقرب والمحبب إلى الطفل وبها يتم تشكيل البناء الفكري والتربوي لنفسيته بل لها أثر كبير على شخصيته حتى الكبر وهي الغذاء المغروس في منابت روحه إذ يظل راسخاً فيه للأبد ، ولهذا تعمل الدول المتقدمة على صرف ميزانيات ضخمة على أبحاثها في شؤون الطفل وقراءاته وكتبه، إذ يقوم الباحثون على تحليل كتب الأطفال من حيث الأسلوب والشكل والمضمون والشخصية التي تستهوي الطفل والحبكة والمغزى وذلك لمعرفة خصائص الكتب المحببة للأطفال وتوجه بالتالي دور النشر لتعمل بهذا الاتجاه وتتعاطى مع مؤلفي كتب الأطفال ممن يمتلكون المعايير المناسبة.ينبغي ،
ونحن نغادر هذا الصرح المعرفي للطفل ، ان نقر بان الاشراف المباشر على شؤون المهرجان ، كان له الدور الرئيس في نجاحه عربيا وعالميا ، ويقف على رأس الهرم الاداري للمهرجان الاستاذ احمد العامري رئيس هيئة الشارقة للكتاب .. كما ان من الانصاف التأكيد على ان الإعلام كان حاضرا بعمق في فعاليات المهرجان ، بشكل لافت ، ولعل الاشراف الإعلامي المتمثل بالشركة الوطنية للاتصال ، المتمثلة بمديرها العام الاستاذ يوسف الطويل ، هو المثال الحي على النشاط الذي حظي بتغطية صحفية وفضائية عالية المدى ..

