عاطف محمد عبد المجيد
لِمَن نكتب ؟
سؤال يثيره الروائي محمود أبو عيشة في مجموعته القصصية ” يَجُوز “ الصادرة حديثًا عن الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة، والتي، بكتابته لها، يضع النقاد ونخبة القراء جانبًا، ليتوجه مباشرة إلى القاريء العادي، الذي يسكن القُرى والنجوع، متمثلًا في الميكانيكي، الخباز، الفلاح، القهوجي، بائع الخضار، وغيرهم من البسطاء، الذين حذفهم كُتاب كثيرون من خارطتهم الكتابية، وتوجهوا إلى نخبة ، لم تعد تقرأ إلا قليلًا.ويبقى السؤال مثارًا:هل نكتب بلغة متعالية يكتنفها الغموض، لعدد قليل من القراء، تمثّله النخبة المثقفة، أم بلغة سهلة قد تصل إلى حد المباشرة، لشريحة كبيرة متمثلة في السواد الأعظم من الناس، الذين نالوا قسطًا بسيطًا من التعليم والثقافة ؟
أبو عيشة يضم في مجموعته ثماني عشرة قصة، كل قصة منها تتكيء، في الأساس، على حكاية شعبية معروفة لدى العامة، أو أسطورة يتناقلها الساردون الشفاهيّون في جلساتهم، مُعيدًا صياغتها بأسلوبه القصصي، وبرؤيته الخاصة لها، محاولًا أن تصل إلى الفئة التي قصدها بكل سهولة وسلاسة، بعيدًا عن الغموض، الذي يُحدث، في أغلب الأحيان، فجوة كبيرة بين النص ومتلقيه.في قصته الأولى ” لغز الوصية “ يعتمد أبو عيشة على وصف العامة للمرأة التي تتحمل المسئولية على أكمل وجه، فتُوصف بأنها رجل:” يا بُنيّ إذا لم يطل بي الأجل حتى أزوجك، وأردتَ أن تتزوج، فتزوج رجلًا “. الرجل أيضًا لا يتمثل، في هذه القصة، في الزوجة، بل يتمثل في أبيها الذي يقف ضدها، حينما تخطيء، وينصحها بطاعة زوجها، ما دام لم يُقصر في حقها، وحاول أن يُسعدها ويفعل لها ما تشاء.أما في قصته ” بين الله والناس “ فيتخذ أبو عيشة من القول المتعارف عليه بين الناس أن المعروف لا يضيع بين الله والناس، أرضيةً لبناء هذه القصة، محاولًا أن يحض، هؤلاء الذين يكتب لهم، على فعل المعروف، الذي لن يضيع عند الله جزاؤه، إن ضاع عند الناس ولم يُقدّروه لصاحبه.كذلك يبني أبو عيشة قصته ” الفضول “ على حكاية تأويل الأحلام التي كان بطلها في الواقع سيدنا يوسف، أما في قصة أبو عيشة فبطلها هو عبد الله الذي حملت به أمه دون أن يمسسها بشر :
” كبر عبد الله في حِجْر جده، وحضن أمه رضوى، صار صبيًّا جميلا يافعًا، لم ترَ القرية مثيلا له في الجمال والنباهة والذكاء…يستدرك بأدب على بعض الحكام، ويطرح حلولًا لبعض المشكلات المستعصية
.أبو عيشة يستعير أيضًا حكاية الحاخام اليهودي والخنزير، الحكاية التي تُفرق بين من يجد حلًا للمشكلة، وبين من يجد مشكلة للحل.القصة بطلها بنيامين الذي راح يشكو للحاخام ضيق حياته، والمكان الذي يسكن فيه هو وأولاده وزوجته وأمه وحماته، طامعًا في أن يجد حلا لدى الحاخام لمشكلته هذه، غير أن الحاخام زاد الطينة بلَّةً، حين طالب بنيامين بشراء خنزير ليشاركه سكنه، تعجب بنيامين وساءه هذا الحل الغريب، لكنه لا يستطيع سوى الامتثال لكلام الحاخام، ثم بعد فترة وبعد أن لم يعد بنيامين يطيق العيْش مع الخنزير في مكان واحد، راح يشكو مرة أخرى إلى الحاخام، الذي أمره لحظتئذ ببيْع الخنزير، مما فرح له بنيامين.هنا لم يحل الحاخام المشكلة الأساسية التي كان يعاني منها بنيامين، بل حل المشكلة الفرعية التي افتعلها، وهنا يشير أبو عيشة إلى المسئولين العاجزين عن إيجاد حلول لما يقابلهم من مشكلات، ويُضيّعون أوقاتهم في حل مشكلات فرعية لن تُضر أحدًا إن بقيت كما هي، في ظل حل المشكلات الأساسية الأخرى.

