Pdf copy 1

علي حسن الفواز

من الواضح أن زيارة الرئيس الاميركي باراك أوباما الأخيرة للسعودية تكشف عن خارطة سياسية في منطقة الشرق الأوسط، وعن مجموعة أفكار لم تنحصر بالأمن الخليجي فقط، فالكثير من الملفات كانت مفتوحة، والكثير من المشكلات ستفتح أيضا، لاسيما  بعد تضخم الصراعات ومعطياتها الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
الرئيس اوباما في لقائه مع الملك السعودي ومع أمراء الخليج وضع نفسه في موضع الناصح، لأن لقاءه هو الأخير، ولكي يدرك هؤلاء خطورة الاستمرار بذات السياسية المشحونة بالكثير من الغرور والاوهام والخيارات العشوائية، بما فيها خيارات صناعة الحروب والأزمات هنا أوهناك، ورغم التأكيد التقليدي على تلازم أمن المصالح الأميركية مع الأمن الخليجي وعلى التنسيق معهم لدعم جهود مواجهة الإرهاب «وداعش» في المنطقة، إلّا أن معطيات الأمور تؤشر توجهات أخرى، فأميركا تريد لاتفاقها النووي مع ايران أن يكون حقيقيا رغم بعض التجاذبات، مثلما أنها تريد معالجات أكثر واقعية للملف السوري، ولضرورة دعم العراق في مواجهة الارهاب الداعشي.
هذه المواقف لاتريدها دول الخليج دون مقابل، فهي تبحث عن حلول حاسمة عسكرية مع الموضوع السوري، وحتى اليمني، وخياراتها مع الملف العراقي محكومة بحسابات (طائفية) وبالموقف من إيران، ومن الجماعات التي تدعمها، ومن تداعيات رفع العقوبات عنها، فضلا عن أن رؤيتها للعلاقات السياسية والأمنية مع إيران، ومع الأمن الخليجي بشكل عام رهينة بتنازلات ايرانية، وبضغط أميركي على إيران يهدف للتقليل من دورها الستراتيجي في المنطقة، ومن قوتها العسكرية والاقتصادية القادمة.
هذه الزيارة لم تضع في حسابها وضع خطط واضحة المعالم، ولا حتى اجراءات حاسمة لدعم هذه الدول، إذ ظلت مفتوحة، وفيها التباسات مثيرة للجدل، لاسيما ما يتعلق بحقوق الانسان والحريات في دول الخليج، وتضخيمها غير الواقعي للخطر الايراني، لكن من أخطر الملفات التي أثيرت في الأوساط الأميركية قبل وخلال الزيارة كان ملف الدور السعودي في أحداث 11 سبتمبر/ 2001 الذي كشفته صحيفة النيويورك تايمز الاميركية، والخطوة المزمعة من جانب الكونغرس الأميركي، باصدار قانون يهدف الى رفع الحصانة عن بعض المسؤولين السعوديين ومحاكمتهم،  وتمكين ضحايا الهجمات الارهابية لهذه الأحداث من رفع دعاوى على الحكومة السعودية. وبقطع النظر عن موقف الرئيس الأميركي ومعارضته المصادقة على مثل هذا القانون، إلّا أن موقف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير المُهدد بسحب الأصول المالية السعودية والبالغة 750 مليار دولار  قد أثار ضجة في العديد من الاوساط السياسية والاعلامية الأميركية، فهي تؤكد فرضية هذا الدور، وعلى أن الارهابييـن الـ(15) من الرعايا السعوديين الضالعين بالهجمات قد حصلوا على تدريبات عسكرية وعلى لقاءات مع مسؤولين سعوديين كما تقول الصحيفة الاميركية.
سياسات وأمن
الأخطار الأمنية هي الهواجس الأكثر إثارة عند القادة الخليجيين، رغم أن قراءاتهم لهذه الأخطار تختلف، وتخضع لحسابات معينة، إلا أنها، وكما يبدو- لم تجد اهتماما كبيرا من الرئيس الأميركي، أو انه سيعمل على تغيير سياساته من ايران ومن سوريا، وهذا بطبيعة الحال سيرهن السياسة بالأمن، وسيجعل الخيارات السياسية قرينة بأيّ خيار أمني في المنطقة، وهو مابدا واضحا من دعوة الملك السعودي لرئيس الوزراء العراقي لزيارة السعودية، ومن خلال تواصل المباحثات اليمنية بين جماعة الرئيس هادي وجماعة أنصار الله والرئيس السابق علي عبد صالح في الكويت، وكذلك التنسيق الاميركي الروسي على اهمية تواصل فرقاء الأزمة السورية في مفاوضاتهم المارثونية.
زيارة الرئيس اوباما الى السعودية، وفي الأشهر الأخيرة من رئاسته حملت معها أيضا هواجس الرئيس ذاته!! والتي تتعلق بتغير الكثير من الستراتيجيات الاميركية، لاسيما في سياق بروز تحديات جديدة في غرب وجنوب آسيا، وكذلك في افغانستان، وتصاعد الموجات الارهابية في باكستان، وهو مايعني افتراض سياسات مفارقة قد يتبناها الرئيس الاميركي الجديد- ديمقراطيا كان أم جمهوريا- والتي ستجعل دول الخليج أكثر عرضة لهزات ومشكلات أمنية وسياسية واقتصادية.
إيران وأوهام الحرب
حديث الرئيس اوباما خلال جلسة الاجتماع الرسمي مع القادة الخليجيين أكد أن ليس من مصلحة أحد إشعال الحرب في المنطقة، ومن ضمنها إيران، وهو مايعني ضرورة البحث عن واقع جديد للتفاهم، وللقبول بعلاقات سياسية ناضجة مع ايران ومشاركتها في الحفاظ على الأمن في الخليج، لكن هذا الخيار لايريح الخليجيين، فهم يرون في ايران عدوهم الأول، وأن رهان عدم القبول بعلاقة وتنسيق أمنيين معها سيكون مدعاة للكثير من المراجعة، فوسط تداعيات وصراعات وشكوك حول التدخل الإيراني بالشؤون الداخلية لدول المنطقة- كما تقول الميديا الخليجية- يبرز عامل القوة الإيرانية الدفاعية، لاسيما بعد  استلام منظومة اس اس 300 من روسيا، والذي دفع الدول الخليجية للبحث عن مواجهات أخرى، بما فيها التنسيق مع دول اخرى للحد من(العسكرة) الايرانية، ومن(الثقفنة) الإيرانية المتهمة بطائفيتها، ولعل ماحدث في مصر بعد زيارة الملك السعودي لها، وحجم الاتفاقات والاستثمارات التي تم التوقيع عليها، بما فيها الحصول على جزيرتي(تيران وصنافير) في خليج العقبة دليل على هذه المعطيات وتغايراتها الحادة.

التعليقات معطلة