رشا الخفاجي
كاتب عراقي جمع في جعبته الخيال والواقع والحلم والالم … نصب خيمته في الشعر والقصة القصيرة والرواية وترجمة الكثير من الاعمال من اللغة الاسبانية الى العربية .. ولد سنه 1967 في قرية (سديرة ) شمال العراق حصل على الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة مدريد (أوتونوما ) عام 2003 ..يكتب بالعربية والاسبانية ترجمت بعض كتبه ونصوصه للعديد من اللغات وقد حصد الكثير من الجوائز …الحديث عن هذا الكاتب والاديب ودوره في الحياة الثقافيه حديث ذو شجون ,ذلك ان حياة هذا الانسان عامرة بالمؤلفات والاعمال الادبيه المليئه بالابداع …
– لنبتدأ حديثنا عن الرواية الأولى (الفتيت المبعثر) ما الذي دفعك لكتابة هذه الرواية؟ وهل تسند احداثها وشخصوها للواقع؟ وكيف ولدت فكرة كتابتها؟
*من حيث كتابة الرواية، لم تكن (الفتيت المبعثر) هي التجربة الأولى، وإنما سبقتها أربع محاولات لكتابة الرواية، وهي محاولات لم أقتنع بها لنشرها فاعتبرتها مجرد تمارين وتجاوزتها، أما عن (الفتيت المبعثر) فقد كانت تعذبني في قريتي صور العوائل التي دمرتها الحرب العراقية الإيرانية، ومنها أقرباء وأبناء عمومة، ومنها مشهد عذبني طويلاً لإحدى النساء القريبات وهي تجلس بين أربعة قبور لأبنائها، وهكذا كتبت لأعبر عن ذلك، وعما أحدثته تلك الحرب في العراق متمثلاً إياه بعائلة.
– هل لديك طقوس معينه تتبعها إثناء كتابتك للرواية؟
*لا أحبذ وصف (طقوس) بهذا الشأن لأنه يحمل دلالات أخرى مرتبطة بالديني والمقدس وغيره، بينما الكتابة هي فعل إنساني بامتياز، لذا فلنقل (عادات) مثلاً. نعم، لي بعض عاداتي القابلة للتغيير طبعاً، ومنها أني لازلت أكتب بالقلم وفي دفاتر بخطوط تشبه الدفاتر المدرسية، وأغلب الأحيان أكتب وأنا منبطحاً على بطني، كما كنت أفعل مع واجباتي المدرسية، أي أن الكتابة مرتبطة عندي بالواجب، وبعد الانتهاء أقوم بالنقل على الكمبيوتر حيث تبدأ مرحلة مراجعات طويلة وشاقة.
– الانسان صنيعة الماضي، لأي مدى ساهم الماضي في تشكيلك الإبداعي؟
*كل إنسان هو صنيعة طفولته، الطفولة هي التي ترسم فينا ملامحنا الشخصية والنفسية، ومهما كبرنا تبقى هي أثرى خزين في ذاكرتنا والأشد تأثيراً في صياغة ذائقتنا وكيفية رؤية الأشياء، وبالطبع تأتي التجارب الحياتية والمعرفية اللاحقة لتراكم أو تشيد البناء فوق ذلك الأساس الذي وضعته الطفولة، ومنذ طفولتي كنت مولعا بالأوراق والأقلام والكتب ومسحوراً بالكلمات، وأكثر من أثر علي في ذلك هما أخي الراحل حسن مطلك وأبي، أما الماضي العام والجمعي، أي التاريخ، فهو لا يشغلني كثيراً إلا بمقدار معرفي موضوعي.
– أين تجد نفسك في الروايات الأربعه التي كتبتها؟
*فيها كلها بنسب متفاوتة، ولكن في رواية (تمر الأصابع) أكثر من غيرها. فهي الرواية التي غيرتني تماماً وأنا أكتبها. كانت بمثابة مرآة أفكك أمامها خيوط نسيج وتركيبة شخصيتي، فعرفت نفسي أكثر وتصالحت مع الكثير من ثنائياتي وتناقضاتي.
– الروايات الأربعة لم تكن أول عمل أدبي لك فقد سبق ونصبت خيمتك في القصة والمسرح والرواية، فأين ترتاح؟
*أحب الأدب بمختلف أجناسه، حياتي كلها أمضيتها في الأدب وله. كقارئ أحب الشعر والفلسفة والفكر، وككاتب أحب النثر، الرواية أولاً وتليها القصة.
_ حياتك في مدريد واختلاطك بأشخاص ينتمون لثقافات متعددة وتعرفك عن قرب على بيئات مختلفة، هل مثل ذلك حافز كبير نحو طرق أبواب مغلقة في عالم الكتابة؟
*لا يوجد شيء اسمه أبواب مغلقة في عالم الكتابة والمعرفة والإبداع، أنها عوالم وميادين منفتحة، وأنا أعيش في بلد منفتح منذ عشرين عاماً وشخصيتي منفتحة على ثقافته ومختلف الثقافات الأخرى، وعليه فنعم، بلا شك، انني أتعلم وأتعرف على شيء جديد في كل يوم، وصداقاتي مع العديد من الكتاب والمثقفين واحتكاكي بقرائي بالاسبانية تثري معرفتي وتحفزني أكثر على تحسين كتاباتي والتنويع في أعمالي.
-هل سبق وأن حُذفت مقاطع من أحدى رواياتك لمخالفتها معتقد أو سياسة أو اتجاه؟
*نعم، فعلت الرقابة ذلك مع مجموعتي القصصية الأولى، وقد تطرقت إلى هذا في روايتي الأخيرة (ذئبة الحب والكتب)، أما أشد الرقابات صرامة على كتاباتي فهو أنا، لأنني أكثر من يحذف من نصوصي، أحياناً أحذف عشرات الصفحات أو نصوصاً كاملة، لأسباب فنية أو لأسباب أخلاقية كالتي ذكرتيها، فلا أرغب بأن أتسبب بجرح مشاعر أي شخص في معتقداته وأسعى لتجنب ذلك قدر الإمكان.
– نشرك للروايات في بلاد المهجر وترجمتها لعدة لغات كان لها دور رائد في نشر ثقافة الرواية العراقية ..حدثنا عن هذا الدور وإلى أي مدى صار المثقف الغربي عارف بنمط الثقافة العراقية؟
*هذا موضوع واسع، ومع ذلك أقول؛ ما أنا إلا واحد من بين الكثيرين من المبدعين العراقيين الذين تَرجموا وتُرجمت بعض أعمالهم إلى لغات مختلفة وهناك من بين الأصدقاء ممن نالوا الجوائز المهمة ويستحقون منا أن نحتفي بهم عراقياً قبل غيرنا، ومع ذلك تبقى كلها جهود وإنجازات فردية ولا تشكل إلا قطرة في بحر الثقافة والرواية العالمية، وإذا كان أغلب العراقيين يجهلون أسماء كتابهم الذين يكتبون عن همومهم، فكيف نتوقع من القارئ الغربي أن يعرفهم أكثر منه؟
– ترجمت روايات الرملي لعدة لغات، باعتقادك من تأثر بمحتواها ومن تبنى الفكرة والقضية القارئ العربي أم الغربي؟
*لا يمكننا الحديث بتعميم عن نوعين فقط أو أكثر من القراء، فكل قارئ له ذائقته الخاصة والتي قد تختلف من عمل إلى آخر ومن مرحلة عمرية إلى أخرى بغض النظر أكان غربياً أو عربياً، وبما أن قضيتي الرئيسية هي الإنسان، فأغلب القراء أشاروا إلى أشياء مختلفة مما مَسهم أو أعجبهم أو لم يعجبهم في أعمالي، وأنا بدوري أتفهم ذلك وأحرص دائماً على التعلم منهم جميعاً.
_ المعروف ان الرواية الغربية هي الأسبق في الظهور من العربية مما منحها الكثير من المميزات فترأست القمه بكُتابها والمضمون ..فهل استطاعت الرواية العربية بعد قطعها هذا الشوط الطويل من مواكبة الرواية الغربية؟
*بالتأكيد لا زالت الرواية الغربية هي المتفوقة كثيراً من حيث النوع والكم والابتكار والتنوع، ولكن، نعم، الرواية العربية الآن قد قطعت أشواطاً مهمة في تطورها وانتاجيتها كماً ونوعاً وفي اتساع مساحة المواضع التي تتناولها، وفيها بعض الأعمال التي لا تقل بجودتها عن أعمال عالمية، ولكن لازال أمام الرواية العربية الكثير كي تغطي أصنافاً أخرى قد أشبعتها الثقافة الغربية، ومنها على سبيل المثال؛ الرويات البوليسية، روايات الخيال العلمي، الروايات التاريخية… وغيرها.
– ما هو رأيك بالكُتاب العراقيين والرواية العراقية الحديثة؟
*أرى بأنهم أبطال في الحياة وفي الكتابة وأعتز بهم كثيراً وبكوني واحد منهم، فلم تتعرض أية نخبة مثقفة في العالم لما تعرضت له النخبة العراقية في الخمسين سنة الأخيرة من قمع وسجون وتعذيب وقتل وتجريب وتخريب وحروب وتجويع وترهيب ونفي وما يصاحب ذلك من افتقار للحرية ولحركة في النشر والتوزيع وغيرها، ومع ذلك فقد أنتجت الثقافة العراقية ولازالت تنتج أعمالاً وأسماءاً كبيرة في الشعر والرواية والمسرح والرسم ومختلف الفنون الإبداعية.
– وأخيرا.. ألا زالت شرارة (حدائق الرئيس) متقدة لتبشر بولادة رواية خامسة أم أن كاتبنا الرملي سيكتفي عند هذا الحد؟
*ليست شرارة وحسب، فالعراق والعالم كله ملتهب ولا سبيل لي للتعامل مع ذلك ومحاولة فهمه وفعل شيء ما حياله سوى الكتابة. لازالت لدي أشياء أريد قولها.. وعليه فأنا مستمر بالكتابة.