نجاح العلي
هناك العديد من التعريفات والشروحات لمفهوم البروليتاريا، لكن يمكن تلخيص معناها ببساطة بأنها الطبقة الكادحة التي تعيش كليا من عملها فقط، لا من أرباح أي نوع من أنواع رأس المال، ولا شك ان معيشتها تتوقف على مدى حاجة المجتمع إلى عملها، أي أنها رهينة فترات الأزمة والازدهار الصناعي والاقتصادي، وتقابلها طبقة كبار الرأسماليين والبرجوازيين الذين يحتكرون ملكية وسائل العيش والمواد الأولية وأدوات العمل والآلات والمصانع اللازمة لإنتاج وسائل العيش.
يمكن اضافة صغار الموظفين ذوي الرواتب المحدودة والعاطلين عن العمل في بلدنا الى طبقة البروليتاريا، كما انه بالامكان اضافة طبقة السياسيين والمسؤولين والمقربين منهم والذين اثروا على حساب المال العام والذين بيدهم القدرة على التحكم بموارد الدولة وتوزيع الوظائف وفرص العمل والامتيازات الاخرى، الى الطبقة البرجوازية، ويمكن ملاحظة وجود احتقان وصراع بين الطبقتين يمكن تلمسه في المظاهرات وحتى في الاحاديث الخاصة والعامة، وهو ما نسمعه في الشارع وفي الاسواق وفي المناسبات العامة لما لحق بالطبقة الكادحة العراقية من غبن معيشي وتوزيع غير عادل لموارد البلاد يقابله ثراء فاحش لطبقة المسؤولين وامتيازات ومخصصات مالية واعتبارية وسيارات مصفحة وجوازات سفر دبلوماسية ومنح وقروض وشقق واراض سكنية في مواقع مختارة.
قد يقول قائل انه منذ نشأة الخليقة وفي كل المجتمعات هناك طبقة من الاغنياء والفقراء وهي حالة اجتماعية طبيعية وستستمر في الوجود، وهو امر صحيح ولا غبار عليه، لكن المشكلة انه في بلدنا ومنذ تأسيس الدولة العراقية ظهرت طبقات اجتماعية اغتنت على حساب المال العام في جميع الانظمة السياسية التي حكمت العراق على اختلاف تسمياتها: اقطاعية، ملكية، جمهورية ذات احزاب شمولية او ديمقراطية تعددية، جميعها سلكت السلوك نفسه بالاستحواذ بطرق ملتوية على المال العام سواء بتجيير وتشريع القوانين لصالحها او عبر سرقة ونهب المال العام عبر عقود ومناقصات وقروض ميسرة ومشاريع وهمية وتوزيع المناصب على افراد احزابها دون امتلاكهم الخبرة والكفاءة والتخصص الوظيفي الذي يؤهلهم لشغلها، وهو ما اوصل البلاد الى ازمة امنية واقتصادية وسياسية قد تنتج الى تفكك البلاد لا سمح الله لو لم يبادر قادتها الى اصلاح المنظومة السياسية من اعلى هرم السلطة وصولا الى اصلاحات ادارية واقتصادية واجتماعية وتنموية شاملة بما يحقق دولة مستقرة تسودها العدالة الاجتماعية والرفاه المعيشي التي ننشدها جميعا.
إن البروليتاريا العراقية تغلي وهي حانقة من الوضع المعاشي والاقتصادي والسياسي والامني المضطرب، وقد تتطور التظاهرات والاعتصامات الى اعمال اخرى تؤدي الى نتائج وخيمة، لو لم يتم تداركها بحكمة وعقلانية عبر اصلاحات شاملة غير ترقيعية تشمل جميع مفاصل الدولة العراقية اولها ابعاد مفهوم المحاصصة عند توزيع المناصب من خلال اعتماد مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب والاستفادة من الكفاءات العراقية المغيبة والمعطلة لكي ينهض بلدنا من كبوته بما يليق بمكانته الحضارية والتاريخية.