وسيم باسم
منذ سنوات يفترش ابو حاتم الأرض عارضا بضاعته في سوق في منطقة الميدان في الطرف الغربي من شارع الرشيد في العاصمة بغداد، وهي المنطقة التي ضمت بين أحضانها اشهر سوق في بغداد والعراق على الإطلاق وهو سوق «الهرج».
ذاكرة العراق
رغم ان أبا حاتم عرف السوق منذ طفولته، الا انه لم ينضم الى فعالياته التجارية في البيع والشراء، الا بعدما تقاعد من وظيفته كمعلم. ومن وجهة نظر ابي حاتم، فإن سوق الهرج على رغم انحسار الكثير من فعالياتها اليوم، الا انها تمثل ذاكرة بغداد، بل ذاكرة العراق، لما تحتويه من سلع وصور وتحف، تمثل كل منها مرحلة من تاريخ العراق، وتروي لك عادات وتقاليد الناس في ذلك الوقت، كما تنبؤك صور الملوك والزعماء الذين حكموا العراق، عن حالة البلاد السياسية في ذلك الوقت.إضافة الى ذلك كله، فإن المعروض من السلع يمكن ان يدلك على الحالة الاقتصادية للمرحلة التي تعبّر عنها السلعة أو الصورة او الكاسيت. وانتشر هرج ساحة الميدان الى مناطق أخرى في بغداد، حيث وجد «سوق الباب الشرقي» أو «سوق الخردة فروش»، وفي العقود الاخيرة ظهر سوق مريدي. إضافة إلى سوق «الشعب» في حي الشعب غرب بغداد، وأسواق أخرى كثيرة في بغداد.
ثقافة (الهرج)
امتد صدى سوق الهرج الى مدن العراق الاخرى منذ الأربعينات، حتى انتشرت ثقافة (الهرج) في كل أنحاء العراق. ويروي الباحث الاجتماعي سليم البغدادي انه مثلما كان الفقر والعوز من اسباب نشوء سوق الهرج في بغداد منذ عشرينيات القرن الماضي، الا أن سنوات الحصار والحروب منذ أواخر السبعينات ساهمت في انتعاش أسواق الخردة والمزادات.
وغالبًا ما تكون سوق الهرج، انعكاسًا للوضع الاقتصادي للعراق في كل المراحل الزمنية، ففي عام 1997 باع أبو رسول تلفزيون البيت في السوق لتوفير بعضًا من المال لإعالة أسرته. وتكرر الأمر نفسه معه عام 2005 حين وجد نفسه مضطرًا لبيع الكثير من المقتنيات والصورة لحاجته المادية أيضًا.
صور الزعيم
يتذكر انه باع في منتصف الثمانينات صور الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم (رئيس الوزراء في العراق من عام 1958 ولغاية 1963، وأول حاكم عراقي بعد الحكم الملكي)، وبصورة شبه سرية بثمن بخس لأحد البائعين. يتألم ابو رسول لذلك، لأن الصور كانت نادرة جدا، كما انها تمثل مرحلة مهمة مراحل تاريخ الحديث.لا تخلو بضاعة سوق الهرج من «الغش» بحسب ابو رسول، فثمة من يصنع قطعًا من الحديد والنحاس، واللوحات الزيتـية موحيًا بانها قديمة عبر إضافة مميزات توحي بذلك، مثل لونـــها «المطفي» وكمّ الأتـــربة وتقادم الزمن على شكلها وألوانـــها، في مــحاولة لخداع المشترين الذين ينطلي عليهم الخـداع في بعـــض الأحيان.
تدوين تأريخ العراق
لا تخلو أسواق الهرج من السلع الثمينة والنادرة، فهذه الأسواق تحفل بالعجيب الذي تختلط فيه السلعة الثمينة بالبضاعة البخسة، وربما يجد المنقب في البضائع المعروضة الكثير مما يعد ثمينًا لقيمته التاريخية او الفنية، فمن التحف القديمة الى المواد المنزلية والكهربائية، والساعات والأحذية، الى العدد القديمة لأصحاب المهن، والطيور والمسابح والدراجات، إضافة إلى الصور التاريخية والملابس من مختلف المراحل الزمنية، كل ذلك يعكس لك صورة من المراحل الزمنية التي مر بها العراق تستحق الوقوف عليها. ومثل مدن العراق الأخرى، فإن يوم الجمعة هو الموعد الأمثل لمرتادي سوق الهرج من باعة ومشترين، وزائرين، ذلك الكثير من الناس يقصدون اسواق الهرج، ليس لغرض البيع والشراء، بل للتجول والاستمتاع بالفعاليات المميزة والخاصة بهذه السوق وحدها، والتي يندر ان تجدها في الأسواق العادية.

التعليقات معطلة