جيمس زغبي 

في بعض كتاباتي، سلّطت الضوء على الطريقة التي استوعبت عبرها الولايات المتحدة ودمجت، على مدار قرون، موجات لا حصر لها من المهاجرين من كل حدب وصوب، وحوّلتهم، في فترة قصيرة، إلى أميركيين. وقارنت ذلك بموقف الأوروبيين الذي لا يوفر في كثير من الأحيان الفرص ذاتها للاندماج. وأشرت أيضاً إلى أن المواطنين الأميركيين الجدد لا يحصلون على هوية جديدة فحسب، بل إن الهوية الأميركية نفسها تغيّرت أيضاً مع استيعاب المجموعات المتنوّعة الكثيرة التي جاءت إلينا. وهذا، بدوره، لا ينطبق على أوروبا أيضاً.
هذه القدرة الاستيعابية والتحويلية للمهاجرين الجدد هي من بين السمات المحدّدة لهوية الولايات المتحدة الأميركية. وهي عملية أتاحت فرصاً كبيرة لمجموعات قادمة من الخارج للحصول على مكان في المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ولعل هذه بالتحديد هي الميزة التي جعلت تجربة المهاجرين العرب والمسلمين إلى أميركا مختلفة عما واجهه مواطنوهم الذين هاجروا إلى أوروبا. فخلال القرن الماضي، هاجر واستقرّ ما يزيد عن مليون عربي، من المسلمين والمسيحيين، وزهاء ثلاثة أرباع مليون مسلم غير عربي، في الولايات المتحدة. وعلى عكس نظرائهم في أوروبا، لم يتم حصارهم في أحياء فقيرة، ولم يصبحوا مواطنين من الطبقة الدنيا. وفي غضون جيل، عاش الباعة المتجوّلون اللبنانيون وعمال الحديد السوريون والحمّالون والعمال اليمنيون وصغار التجار الفلسطينيين والمصريين والعمال المغاربة تجربة صعود اجتماعي واقتصادي استثنائية، كانت ممكنة في أميركا. وهم لم يبقوا في وضع اقتصادي متدنٍ، لأنهم استغلوا الفرص التي أتاحتها لهم الدولة التي تبنتهم.
برغم ما ذُكر، ثمة بعض التشابه بين الأحياء الفقيرة التي يقطنها لاتينيون أو أفارقة أميركيون مكافحون في كثير من المدن الأميركية، وتلك التي يسكنها ضحايا دول شمال أفريقيا أو جنوب آسيا التي تعرّضت للقمع الاستعماري، ممن ذهبوا إلى فرنسا أو المملكة المتحدة بحثاً عن فرصة، وأصبحوا حانقين بعدما وجدوا بطالة وتمييزاً منهجياً. فعلى المنوال نفسه، وجد كثير من مواطني الجنوب الأميركي أو الأحياء اللاتينية الذين فرّوا من الفقر في أميركا الوسطى أحلامهم تتبدّد في الولايات المتحدة. وهم اليوم يمثلون رسالة تذكير مزعجة للمجتمع الأميركي بالفصول المنحطة في تاريخنا التي نفضل أن نتجاهلها أو ننساها. إذ مثلما أخفق البريطانيون والفرنسيون في الاعتراف والتكفير عن تبعات سلوكياتهم المخزية في جنوب آسيا والعالم العربي، لم يتعامل الأميركيون تماماً بفاعلية مع التأثير المدمّر والصدمة الدائمة التي نزلت بالشعوب الأصلية في هذه الدولة، كذلك مع ضحايا العبودية وغزواتنا الاستعمارية للأراضي جنوب أميركا.

التعليقات معطلة