امين قمورية
مع اقتراب موعد الاستفتاء البريطاني على البقاء في الاتحاد الاوروبي، يستعد الاوروبيون لصيف حار وقد يجد زعماء أوروبا أنفسهم في هذا الصيف يحاولون منع قلاعهم الرملية من الانهيار بدلاً من الذهاب إلى الشواطئ. فمنذ نشوء الاتحاد الاوروبي اضطلعت لندن بدور المتمرّد على أصول الاتحاد وقوانينه، حيث ضرب السياسيون المعارضون لوجود بريطانيا في الاتحاد على أوتار حساسة في الشارع البريطاني، لا سيما وترَي السيادة والهجرة. فالبريطانيون الذين لا يزال ماثلاً في ذاكرتهم الجماعية تاريخ إمبراطوريتهم التي كانت لا تغيب عنها الشمس، لايحبّذون الانصهار في بوتقة اوروبية تهدّد بمحو كيانهم وتراثهم.
انطلاقا من هذه المفاهيم يحشد المناهضون لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي قواهم من أجل إقناع الشارع البريطاني بالانسحاب الفوري من هذا الاتحاد كي ترجع بريطانيا حرة طليقة، كما كانت بلا قيود أوروبية ومن دون قوانين وأنظمة تفرضها أوروبا عليها، وتعيق حركة تجارتها ومسيرة سياساتها الخارجية. وفي المقابل يحذّر أندادهم المؤيدون لبقاء بلادهم في الاتحاد الأوروبي، من المخاطر التي ستحيق ببريطانيا إن لم تكن عضوا في الاتحاد الأوروبي، وأهمها العزلة الاقتصادية التي ستصيبها، إن صارت تهرول وحدها في الساحة وتغادر الركب الأوروبي السائر.
وسواء كان الامر الكابوس الذي يحذّر منه مؤيدو اوروبا، او التحرر الذي يدعو اليه معارضوها، فمن المؤكد ان سيناريو خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، في حال تحقّق، سيكون خطوة في المجهول، اذ ستكون هذه المرة الاولى التي ينفصل فيها بلد عن الاتحاد.
ويخشى انصار الوحدة الاوروبية من أن يأتي خروج المملكة المتحدة بكلفة اقتصادية كبرى بالنسبة إلى البلاد، نظرًا إلى ارتباطها الشديد بالاتحاد الأوروبي. ذلك ان أوجه النشاط التجاري مع باقي دول أعضاء الاتحاد، الذين يقدر عددهم بـ 26 دولة، يشكل نسبة قدرها 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة. كما ان خروج بريطانيا سوف يضطرها إلى التفاوض على الوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة لتسويق صناعات الخدمات لديها، في حين سوف تتمتع الشركات المصنعة في الاتحاد الأوروبي تلقائيا بحقوق تكاد تكون غير محدودة لبيع ما ترغب في بيعه أيا كان في بريطانيا بموجب القواعد العالمية التي وضعتها منظمة التجارة العالمية.وتاليا فإن بريطانيا سوف تكون بحاجة إلى اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي على غرار الاتفاقات التي تم التفاوض عليها مع سويسرا أو النروج، الكيانين الاقتصاديين الكبيرين الوحيدين خارج الاتحاد الأوروبي. ومن منظور الاتحاد الأوروبي، فإن شروط أي اتفاق مع بريطانيا لا بد أن لا تقل صرامة عن تلك الواردة في اتفاقات الشراكة القائمة.
ذلك أن منح بريطانيا شروطًا أسهل من شأنه أن يفرض على الفور تنازلات مماثلة لسويسرا والنرويج. والأمر الأكثر سوءًا هو أن أي امتياز خاص تحصل عليه بريطانيا، من شأنه أن يشكل سابقة، ويغري أعضاء آخرين تعوزهم الحماسة إلى التهديد بالخروج من الاتحاد الأوروبي والمطالبة بإعادة التفاوض.
ومن شأن اي قرار يتخذه الشعب البريطاني لمغادرة الاتحاد الأوروبي أن يضع مسألة استقلال اسكوتلندا مرة أخرى على جدول الأعمال. والواقع أن كثيرين في اسكوتلندا ممن يدافعون عن الاستقلال سيجادلون من أجل أن تبقى عضوا في الاتحاد الأوروبي، وهو امتناع شعبي من المتوقع أن يؤدّي إلى التصويت لصالح الانفصال عن المملكة المتحدة.
وهكذا لن تكون إنكلترا فقط هي الخاسرة، لأن اسكوتلندا ربما تترك المملكة المتحدة وتعود إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، آخذة معها العديد من وظائف الخدمات في لندن إلى أدنبرة.
ومن غير المرجح أن يتوقف التقسيم عند هذا الحد. ما يمكن اي يحدث في اسكوتلندا يمكن أن تكون له تداعيات عبر ما تبقى من المملكة المتحدة المجزأة. على وجه الخصوص، فإن مغادرة بريطانيا العظمى الاتحاد الأوروبي وخروج اسكوتلندا من المملكة المتحدة سيؤججان التوترات في إيرلندا الشمالية بين مؤيدي بريطانيا الاتحاديين والجمهوريين الذين يسعون للانضمام إلى إيرلندا.
كما ان خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي سيعزز النفوذ الألماني أكثر مما عليه الحال الآن. ولن تكون هذه الهيمنة الألمانية صحّية على المدى الطويل، لأنها ستؤجج الاستياء من ألمانيا. ومن المرجح أن يصير الاتحاد الأوروبي أقل استعدادا وقدرة على العمل ككيان على الساحة العالمية، وستكون النتيجة إضعاف أوروبا في وقت تحتاج الولايات المتحدة إلى اتحاد أوروبي أقوى.
اتحاد اوروبي من غير بريطانيا يضمر نفوذه وازدهاره. ومن شأنه ان يحول هذه الدولة التي لا تزال في عداد الدول الخمس الكبرى الى مجرد شريك تجاري ثانوي لأميـركا. لا شك في ان الاستفتاء مغامرة بالغة الخطورة.