حوار/قاسم وداي الربيعي
وأنا أتصفح وجوه المبدعين العرب وقفت كثيرا أمام نجاح إبراهيم المبدعة السورية التي استطاعت أن توضف تجربتها لصالح الثقافة العربية من خلال كتاباتها التي تميزت بالنضوج الفكري .. فكان لي معها حوار طويل جدا نجحت من خلاله أن ترسم لي رحلتها ..
الأديبة نجاح إبراهيم ،تكتب القصة والرواية والنقد الأدبي. – عضو اتحاد الكتاب العرب في سورية – رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب في الرقة لدورتين متتاليتين – فازت بإحدى عشرَ جائزة على مستوى سورية والوطن العربي في مجالي القصة والرواية. – لها 16 إصداراً – فازت بجائزة “ تشوقوروفا “ العالمية للإبداع عن مجمل منجزها الإبداعي. – ترجمت بعض أعمالها إلى الفرنسية، والتركية والأرمينية، والفارسية.. كانت بدايتي معها حول الهم الثقافي العربي السوري فكانت أسئلتي ضمن محاور مختلفة
. – كيف ترى نجاح إبراهيم واقع الثقافة العربية عموما والسّورية خصوصاً؟
الثقافة في أيّ بقعة من الوطن العربي ، تراجعت إلى الوراء ، بشكلٍ عام، بسبب ما تعاني منه بعض الأقطار العربية من إرهاب ممنهج استقطب إليه الأنظار ، بل والمشاعر، فما يجري يوقف النبض في الشريان، فكيف بالثقافة التي كانت تحبوا! اختلفت الأمور عما كنا عليه في السبعينيات من القرن الماضي، حيث كانت الثقافة العربية في أوجها. باتت الآن كمن يقبض على جمر ، أو مثل الأخرس الذي يبتغي أن ينشد أنشودة مخمليّة. إنها صعبة كصعوبة جرح لا يلتئم .على الثقافة أن تكون دون أن يرافقها دنسٌ ، وحولنا يكتظ الفساد والخراب ، إنها طهر للعقل وصلاة للقلب ، وحرز
– الأدب السّوري كيف يمضي ، وهل هناك أرباك تجاه المرأة عما هو في شرقنا الذي يرى المرأة من منظار ساذج وقديم؟
الأدب السّوري لا يسير ، إنه مرتبك ، قلق ،ومضطرب، يشبه ما يجري من اضطراب على أرضنا، إنّ صوت الكاتب أمام صوت الرصاص وضجيج الدم لا يُسمِع من يُصغي للمبدع الآن ، والقلق والخوف يمشيان تحت جلد إنساننا ؟ والجوع والنعاس والتعب في عينيه؟ معظم الكتّاب يقولون لا نُحسن الكتابة الآن ، نحتاج زمناً حتى نستطيع الإمساك بالقلم؟
إن كنت تسأل عن الأدب الآن وموقفه من المرأة ؟ فالفأس وقعت في الرّأس دون أن نفرّق أي رأس انفجرت دماؤها ، أي أنّ الأدب السّوري الآن- إن كان ثمّة أدب يفاخر به – لا يفرّق بين المرأة والرّجل. لكن إن كنت تعني ما قبل الحرب ، أيّ ما قبل خمس سنوات، فقد تجاوزنا كثيراً مرحلة صناعة القيد للمرأة ، بدأت تتواجد في كلّ مكان وتتبوأ مناصب سواء في الحياة المدنية أو العسكرية ، والمرأة الكاتبة أيضاً كسرت قيود العادات والتقاليد .
– كيف ترى نجاح إبراهيم الشعر في الوقت الحاضر، وهل ترى أن التطورات والحداثة قد غيرت من منهجية القصيدة؟
حين تسأل أستاذ قاسم الآن ، لا تحضرني سوى سنوات الحرب ، ويتقافز الجواب أمام عينيّ على بياض الورق ، لأقول أي شعر في دمارنا؟! أي شعر نرفعه إلى أعلى الزقورات والسكين في الخاصرة والقلب ينزف؟!
لكن سأجيبك إلى فترة ما قبل الحرب ،لقد تميّز الشاعر السّوري بمقدّراته على التطوّر والتجديد ، وسلك دروب الحداثة التي يُشاد بها ، وهل ننسى شاعرنا أدونيس ، وفايز خضور ، وعبد القادر ألحصني ، وحسين الحموي وآخرين؟
هؤلاء جدّدوا في القصيدة شكلاً ومضموناً ، لقد تمكن الشاعر السّوري من استبطان الإنسان العربي ، والعالم والطبيعة ، وخاض الصراعات والتطلعات ، استطاع أن يغنّي ملحمته الأثيرة بشغف اللاهث إلى الخلود .
كان شاعرنا دؤوباً على إتقان خطابه بشكلٍ غير مألوف ، وبروح جنونية ، تدعو إلى اغتصاب العالم بالكلمات، وزرع رياحين مودّة في الطرقات ؟
ولعليّ أستعير مقطعاً من قصيدة لفايز خضور، توجز حال شاعرنا في الوقت الحالي ، يقول:
“ قلقٌ يقصّف مشيها /فتنوس يسرقها فحيحُ الخوف / تنهد ، ثم تكبو / ثم تركض خبط أعشى..!!
أما الشعر العربي، فإني ألحظ تطوره الآن بكل المقاييس ، خاصة في ما يسمى قصيدة النثر وقصيدة التوقيعة، تدهشني بكلمات قليلة كيف تحمل معان كثيرة ،وتألق الشعراء في العراق بها ، وكذلك في المغرب العربي.
– المشهد النقدي كيف هو في سورية ، وهل الناقد يؤدّي دوره الثقافي تجاه النصّ بعيداً عن المجاملات؟
أعطني دولة عربية يتألق فيها النقد بعيداً عن المجاملات ، أو الرياء ، أو المصلحة ، أو الانتقام ، أو عملية القصّ واللصق؟ ناهيك عن أنّ النقد بحدّ ذاته مغيّب ،لا يوجد نقد في سورية يستطيع مواكبة ما كُتب أو يُكتب. بمعنى لا يوجد نقاد يحملون صليب صبرهم وعذاباتهم من أجل الكتابة عن نصوص !! أو رفع النقاب عن أثر أدبي .
ثمّ إنّ الجهات المعنية في الشأن الثقافي لا تشجّع النقد ، لست أدري لم ؟ فهي لا تنشئ مجلات خاصة به، ولا تفرد في الدّورية أكثر من صفحات قليلة .
النقد في سورية كما في الوطن العربي بشكل عام ، يتمتع
بسمعة سيئة نظراً لما يقوم عليه من نبش للعيوب والنواقص والتركيز على الجوانب السلبية ، وانتقاد الكاتب من خلال نصّه ، لهذا فلا تقدّم في هذا الجنس الأدبي .وأنا ما زلتُ كلّ حين أدعو إلى خلق عملية نقدية جديدة ، حيث كتابة نصّ يوازي النصّ المنقود ،
فاعلية غير قليلة. – هل أنتِ مع قصيدة العمود الكلاسيكية ،أم مع قصيدة النثر وكيف ترين هذا
أظنني منذ عقدين أو أكثر استبشرتُ خيراً بقصيدة النثر ، لأنها قادرة على ترجمة المخبوء في النفس الشاعرة ، وذلك بمرونتها وصياغتها الفنية باللغة العربية ، وقابلة للتأرجح مع نبض الشاعر وصوته الخاص ، وتدهشني حين تخرق القوانين الشعرية السّائدة وتجاوزتها منطلقة إلى فضاءات رامحة .كما أنا معجبة إلى حدّ بقصيدة الومضة ، لأنها تعبّر عن لحظة انفعالية محددة ، شديدة التكثيف والإيجاز ، بعيدة عن المباشرة والخطابية ، متدفّقة كأمل وحلم ، مفعمة بصوت ولون. ومع هذا ، فقد كانت القصيدة الكلاسيكية تعجبني في زمنها ،
. – الثقافة العراقية كيف تراها نجاح إبراهيم بعد حرية الكتابة والطبع؟
كنت معجبة ومدهوشة بثقافة الأدباء العراقيين منذ عقود ، وما ترك المبدعون والمفكرون من أثر ، ولا زلت أواكب هذا الدفق، الذي لا أعرف من يركض نحو الآخر بلهفة ، أنا أم هو ؟ تفيض العراق بالإبداع كما نهريها ، تفيضُ بكم ، كم من أصحاب الثقافات والمترعين بالإبداع ، الذين يستحقّون فعلاً الوقوف على منجزهم الأدبي ، وإن كانت الجهات المختصة في العراق لا تكترث بالشأن الثقافي، في طبع مخطوطاتهم .أعرف أكثر من مبدع لا يستطيع طباعة كتاب له، لأسباب مادية وغير مادية ، بينما لا تبحث الجهة المعنية عن المبدع وإنما تهمل كثيراً هذا الجانب. ومع ذلك تدفق الإصدارات مستمر ، فهل يقف الفرات؟

