دراسة نقدية : أشرف قاسم
استطاعت قصيدة النثر أن تثبت وجودها ، و تفسح لنفسها مكانا وسط الأجناس الأدبية المتعددة بفضل وجود عدة أسماء تكتبها وفق شروطها و معاييرها التي حددتها سوزان برنار في كتابها ( قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ) و هي الإيجاز و التوهج و المجانية .
هذه النصوص الإنسانية التي تركز على استبطان خفايا النفس البشرية ، و تسلط كادرها على أزمة الإنسان المعاصر في ظل مادية الحياة ، و شعور الإنسان باللاجدوى و الاغتراب ، بلغتها التي تقترب من لغة الحياة اليومية .
و لا شك أن فهم المبدع لأسس فنه و طرائق التعبير عن هذا الفن هو الذي يعينه على إنتاج نص فارق لا يشبه إلا نفسه .
رضا أحمد .. شاعرة استطاعت أن تلفت الأنظار إليها بقوة منذ نشر نصوصها الأولى في الصحف و الدوريات و عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، وقبل أن يطبع لها ديوان يجمع هذه النصوص ، لأنها تعي ماهية قصيدة النثر ، و تجتهد في كتابة نص شعري مختلف لا يشبه أحدا سواها .
في ديوانها الأول (لهم ما ليس لآذار) و الذي صدر مؤخرا تبني رضا أحمد معمار نصها على أسس جمالية و فكرية عدة ، منها الفلسفة و علم الجمال و التصوير و النحت و توظف كل هذه الفنون لإنتاج نص ذي أبعاد مجازية ، في لغته و صوره و تشكيله الفني و خياله الرؤيوي :
الفناء رحب جدا
ينتظر روحي بشغف
كنت أطمع في الخلود كبنوكيو
في حكايات الأطفال
بأنف مرنة جدا تناسب حفلات النفاق
و الرفاق من حولي
يبحثون لي عن جزاء
في كتاب اللعنات ! ص 12
هذا الثراء و التنوع اللغوي و الصوري هو الذي يهب النص سعة و رحابة و انفتاحا على التأويل ، و من خلال هذه اللغة الإيحائية التي ترصد من خلالها كل تفاصيل المشهد ، و تترك المتلقي في منطقة وسطى بين المتن و الهامش :
سأكتب من نافذة أعمق
للزهور العارية بلا مأوى تحت الشمس
و رغم حمله الغبار
سأكتب للهواء الذي يقفز
مرتجلا احبال الغسيل
و يجهض سعال جارنا المجنح ص 13
و لعل هذا التوتر النفسي الواضح في أغلب نصوص الديوان هو جوهر تجربة رضا أحمد الشعرية التي تقدم من خلاله رؤاها الفلسفية للحياة من زوايا عدة ، لسبر أغوار النفس البشرية ، من خلال رصد الإنسان في شتى حالاته ، و انقسامه بين الحلم و الواقع ، و التوقف لدى إخفاقاته و معاناته ، لرصد خباياه بنظرة متأملة :
أعرف امرأة عجوز
تغزل بأصابع نسوة ضريرات
وسادة ليل لنجمة وحيدة
طفلة تسرق كرز الجاتوه
و تختبئ بجريمتها في سلة الغسيل
شابة تعيد رصف ذاكرتها الحلوة
بمربى التين و مكعبات الثلج
و طالبة تفكر بالجحيم الممتد
في عيني مدرسها الصلف ! ص 27
شعرية الجملة لدى رضا أحمد تتكامل مع شعرية الصورة ، مما يعطي النص ثراء و تنوعا في الدلالة ، لأنها لغة اليومي بحس الشاعر الفيلسوف الذي يبحث عن روح جديدة مستقلة عن القطيع ، و ذلك من خلال صورها و تراكيبها اللغوية المنفلتة من إسار الكلاسيكي و العادي و المألوف :
لهذا المساء نصف قمر
و إناء غسيل يحدق في يد مرتعشة لطبيب
ولادة متعثرة
و حظ ضيق لطفل يسحق البرودة المتراكمة
بصرخة الميلاد ص 68
توظف رضا أحمد في نصها كل الإمكانات الجمالية التي تنتج نصا مندهشا و مغايرا في لغته و صوره و أفكاره و رموزه و دلالاته ليقف القارئ أمامه متأملا دهشا مستمتعا بما يهبه النص من متعة و عذوبة و خيال جامح :
كانت الأفيال تقتل في الغابات
و أنت في برجك العاجي
لا تسمع دفقات الألم
ولا تحفل بالأوقات الخارجة
عن سياق ساعة معصمك ص 85
الخراف لا تعرف أنها ستذبح
الخراف تظن أنها تقود القافلة
للماء و العشب ص 95
تحمل اللغة هنا طاقة هائلة لإنتاج دلالات متعددة بعيدة كل البعد عن نمطية التعبير و المفهوم الضيق للفظة الشعرية ، و لديها القدرة على توظيف الرمز دون الوقوع في الغنائية أو التقريرية الفجة ، طمعا في وعي المتلقي الذي هو في نظرها ليس مجرد متفرج ، بل هو شريك في النص :
من نكهة الغبار
تتهجى الفراشات
ذاكرة الزهور الذابلة
و تمتص الحشرجة الأخيرة
و تكتم بمزيج من الأسى و الخوف
تقارير الموت ص 97
هذه اللغة المكثفة المقطرة التي تعتمد على الصورة الدالة بإيحاءاتها وإشاراتها هي لغة متوهجة واضحة لا تتعمد الإغراب او التعتيم :
آه لو كنت مدية حادة
– يقول الشارع –
كنت سأقاتل جسد العتمة
لينجو كل نحيب غائم لطفلة
مست زجاج قلب عاطل
فجرحها متعمدا
غلق شبابيك صوتها الناعم ص 103
ثمة ملامح آخر في هذا الديوان و هو قصر النصوص و تتابعها دون عنونة و الاكتفاء بالترقيم فقط .. و هو ما يوحي للمتلقي بهذا التقارب الواضح بين النصوص جميعا حد التماهي ، و كأنها يوميات تدونها الشاعرة تحت تاريخ اليوم فقط ، بنفس الروح التواقة للتعبير عن الآخر و مشاركته معاناته و راهنه .
و في النهاية آمل أن تكون قراءتي هذه بابا صغيرا لقراءات أعمق لهذا الديوان المدهش و هذه الشاعرة المبدعة رضا أحمد .