عباس عبد الرزاق الصباغ
لم يكن مفاجئا المؤتمرُ الذي عقدته في باريس فصائل وشخصيات تحمل «الجنسية» العراقية والمطلوبة أكثرها للعدالة العراقية تحت غطاء سياسي/ طائفي وبذريعة «المعارضة» وفي فرنسا البلد الذي يفتح أبوابه لجميع المشارب السياسية والألوان الحزبية والايدلوجية ومن جميع أنحاء العالم ليطرحوا آراءهم بصراحة وليؤسسوا ما يشاؤون من تجمعات سياسية بعيدا عن ضغوطات وقمع حكومات بلدانهم الأم، الا ان مؤتمر باريس «العراقي» يختلف عن بقية المؤتمرات التي تقيمها الفصائل المعارضة على الأراضي الفرنسية، فهذا المؤتمر الذي حمل شعار (معا لإنقاذ العراق) وتحت يافطة مهلهلة تحمل مضمون المشروع الوطني العراقي قد عُقد لأسباب سيا ـ طائفية مكشوفة ومن لون طائفي واحد ومن فصائل ادعت إنها معارضة للحكومة العراقية وللعملية السياسية وأنها تتوخى «تصحيح» مسار العملية السياسية في العراق عن طريق تأسيس مكون حزبي مستقبلي عابر للطائفية يشمل كل أطياف «المعارضة» العراقية في الداخل والخارج، تحت اسم «المشروع الوطني العراقي» بحسب تعبير البيان الختامي للمؤتمر.
وهذا المؤتمر يُحسب على فرنسا التي تخبطت كثيرا في الشرق الأوسط بعدما لعبت بالنار في سوريا من خلال دعمها اللامحدود لما سمّتها في حينه بالفصائل «المعارضة» لنظام بشار الأسد كجبهة النصرة وجيش الفتح وجيش الشام وغيرها وادعت أن هذه الفصائل هي فصائل للمعارضة الحقيقية ضد نظام بوليسي قمعي وان فرنسا تتحرك ضمن واجبها الأخلاقي والإنساني لدعم معارضة “مشروعة”، ولكن سرعان ما كشفت الأحداث عن إن فرنسا قد تخبطت كثيرا في هذا البلد وتجاوزت الصواب بدعمها فصائل قروسطية متوحشة كانت ولا تزال نسخا مكررة للقاعدة وداعش وعليه فان فرنسا تتحمل قسطا كبيرا مما آلت اليه الأزمة السورية من خراب ودمار شمولي وتتحمل مسؤولية تاريخية كبرى أمام الشعب السوري ولأجيال لاحقة.
أما الرد العراقي على هذا المؤتمر فقد كان باتجاهين، الأول هو الإدانة الخجولة التي فشلت فشلا واضحا في مسعاها لمنع عقد هذا المؤتمر في حين لم تكن حجة الخارجية الفرنسية مقنعة للرأي العام العراقي بأن فرنسا بلد «ديمقراطي» وهي تحب أن تعطي الفرصة كاملة للجميع مثلما أعطتها للمعارضة العراقية إبان حكم صدام ونسيت فرنسا او تناست أن الحكومة العراقية الحالية هي حكومة منتخبة وشرعية ومعترف بها شعبيا ودوليا، فالمعارضة ضدها تعني طعنا في خيارات الشعب العراقي وضربة في صميم الديمقراطية التي أنتجت العملية السياسية لما بعد التغيير مما يتنافى والأعراف الدولية، إذ يعد هذا المؤتمر وبموجب القانون الدولي تدخلا صارخا في شؤون دولة مستقلة وذات سيادة واستغلالا غير مبرر لظروف العراق الحالية والصعبة، والاتجاه الثاني لم يخرج عن نطاق نظرية «المؤامرة» في التفسير السياسي لعقد هذا المؤتمر بأنه كان مشروعا تقسيميا وتحضيرا للإقليم السني كتبرير للفشل السياسي الذي لم يستطع إعاقة عقد المؤتمر بوصفه محاولة للتركيز على قضية الإقليم السني وترسيم الحدود على أسس طائفية وليست جغرافية، الأمر الذي يهدد وحدة العراق ومستقبله كدولة.
والملفت للنظر أن يتكلم رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق دومينيك دو فيلبان بحرص عن «سيادة» العراق قائلا بالحرف الواحد (إن سيادة العراق منذ عام 2003 مشكوك فيها) في الوقت الذي تجاهلت فيه حكومة بلاده دعوات الخارجية العراقية لمنع عقد مؤت مر مشبوه يمس السيادة العراقية في الصميم .
يبدو ان التفسير التقسيمي والتفتيتي هو اقرب للواقع لا سيما وان هذا المؤتمر يعد خطوة استباقية لمرحلة ما بعد {داعش} وبعد تحرير الفلوجة والموصل، أي تهيئة المناطق التي تقطنها الأغلبية السنية والتي كانت رازحة تحت نير داعش وإعادة رسم الخارطة الجيوـ ستراتيجية العراقية لإقامة إقليم سني بمباركة إقليمية (السعودية وقطر وتركيا) ودولية (الولايات المتحدة ، فرنسا) اللتين حضرتا وقائع هذا المؤتمر بتمثيل رفيع.
ونتيجة لهذا التخبط وما ينتج ونتج عنه من مآسٍ وكوارث يتحتم على فرنسا أن تعتذر للشعبين العراقي والسوري عما اقترفته يداها من أخطاء ستراتيجية لا تليق بدولة عظمى طالما تشدقت بمبادئ حقوق الإنسان والحريات العامة والعقد الاجتماعي .
ولكن يبقى السؤال: هل ستعتذر باريس؟ شخصيا لا اعتقد ذلك مع وجود عملية سياسية هشة وسياسيين منقسمين على أنفسهم وسلطات سيادية ثلاث مشتتة وشارع ما زال يرنو الى حزم إصلاحية ما زالت سرابا يحسبه الظمآن ماء.