Pdf copy 1

        أشرف محمد قاسم
على الرغم من إحراز قصيدة النثر لهذا الحضور الطاغي إلا أن الإيقاع مازال عنصر جذب للمتلقي ، و ما زالت قصيدة التفعيلة تثبت وجودها كل يوم ، بفضل الأصوات الشعرية التي تتعاطاها كما ينبغي أن تكون .
جيهان بركات ابنة الإسكندرية صوت شعري ما زال يجد متعته في كتابة قصيدة التفعيلة و القصيدة العمودية بصورتهما المدهشة ، التي تركز على طزاجة اللغة ، و الصورة بشكل مغاير بعيد عن النمطية و الشكلانية  .
في ديوانها الصادر مؤخرا ( قلبي و إرث الأمتعة ) تراهن جيهان بركات على الحضور الفاعل في المشهد الشعري بنصوصها المكتوبة برؤية إنسانية ، و طرحها الخاص لهموم الآخر ، و لا سيما الأنثى من خلال حضور الذات الأولى في الخطاب الشعري و ما كنت أدري
بأن خطاك على بعد نرجسة من حنيني
و أن ضفاف هواك من الكون أرحب 
و انك من أخطأتك حواسي
فرحت ابدد حبات دري بكل الدروب
و أنت إلي من النبض أقرب ص 7
تمتاز لغة جيهان بركات بانها لغة شعرية ذات ملامح أنثوية مميزة ، تعزف بها على إيقاع أوجاع و هموم الأنثى ، تؤكد هذه اللغة على وعي الشاعرة بواقع الأنثى في هذا العالم ، من خلال أنساق و صور شديدة الخصوصية :
لولاك يا وجعي لما خلقت قصيدة
الخلق فكرتك التي أودعتها رحم العناء
و أنا مريدتك الوحيدة ص 36
ممتاز
2- يأتي نص جيهان بركات متدفقا بالشعر الذي يعزف على وتر المجاز ، ليرسم لنا الحياة بزخمها و تناقضاتها و صراعاتها التي لا تنتهي في لوحات تتباعد و تتقارب في تناغم و ائتلاف بين اللغة و الصورة و الإيقاع ، و البعد النفسي المتمثل في حيرة الشاعرة في حالتي الحضور و الغياب :
حلمنا حلمنا 
على صفحة من سماء
بلونها البرتقال
و كنا إلى سدرة الحلم أقرب 
نمد يدينا
فيسقط في كفنا الفرح تفاحة
و السعادة دراقتين
و يأتي الرضا
عنبات و تين  ص 82
و في تتبعنا لهذه الحيرة نستطيع أن نرصد أسئلة عدة تطلقها الشاعرة عبر نصوصها تتعلق بالوجود بشكل عام ، و وضع الأنثى على خارطة هذا الوجود بشكل خاص ، و ذلك من خلال الإشارات الوامضة عبر النصوص :
هل للخطى …
و رنين وقع الأغنيات الفائتة
أن يوقظ الميت المؤجل موته ؟
هل الصباح أو النواح 
بأن يفيق الروح من عمق السبات ؟ص 19
فمن قص ضلعي ؟
و قصر باعي ؟
و من سرق الصوت من
منكرات العنادل ؟ ص 84
3- إنها متعة إكتشاف العالم عبر فضاءات النص الشعري و اقتناص المعنى المعبر عن ماهية هذا الوجود ، من خلال التجربة الآنية حينا ، و من خلال استدعاء مشاهد تنحدر من ذاكرة الماضي أحيانا أخرى  :
يا سر نون البوح لا تترددي 
و لتفتحي للكاف بابا
كي يكون ص 92
و تلفني عند المغيب
أنامل الذكرى
بثوب من شفق
حتى تدثرني و تعقد حيرتي
بوثاقها المطوي 
في عنق الزمان ص 45
و من هنا نرى ان نصوص جيهان بركات زاخرة بالقيم الإنسانية ، التي تصوغها برؤية فنية ، و بلغة رائقة راقية تجمع بين جزالة التراث ، و سلاسة الحداثة الشعرية الحقيقية ، دون الدخول في تهويمات و أحاج تستعصي على المتلقي ، بل ان اللغة هنا في هذا الديوان هي ترنيمة روحية للجمال و أحب الشجن الخافت في عينيك 
يلامسني 
و يطمئن قلقا يسكنني 
و كأمي
يحضن أوجاعي  ص 27
4- تلح جيهان بركات في نصوصها على الربط بين الشعر و الحرية ، و ينبغي أن يكون الشعر في نظرها أداة تواصل راقية بين البشر ، ليرتقي باذواقهم ، و يزيل هذا القبح المستشري في نفوسهم ، للتحرر من قيود المادة و ضغوط الواقع الصلب :
ما زلت أركض في سمائك يا قصيد
أهش اسراب السحاب
اسوقها 
لأشكل اللوحات
طيرا تارة
و تلال ثلج تارة
و كما يبيح الشوق لي تارات 
ما زلت تقتلني الحروف مخاتلات 
ثم يحييني تجلي المفردات ص 105
و على الرغم من طول النصوص غالبا في هذا الديوان إلا أن الشاعرة استطاعت أن تكثف صورها و إيحاءاتها المجازية بحيوية و حرفية عالية ، و استطاعت أن تؤاخي بين أفكارها عبر نصوص الديوان رغم التنوع الشكلي ، فجاءت نصوصها بهذا البهاء الذي  يعدنا بالمزيد منه في أعمالها القادمة .

التعليقات معطلة