تيسير خلف
منذ وفاته في العام 2008 لم تتوقف محاولات رمي قبر محمود درويش بحجارة الانتقاد حينا، ومعاول التشكيك حيناً آخر، محاولة أن تقضم رمزيته وفرادة موقعه في الوجدان الفلسطيني والعربي، مرة بتهمة التناص أوالاقتباس عن الكتاب المقدس، ومرة بنسخ عناوين من شعراء آخرين، وثالثة الأثافي الزعم بنسخ عبارة قيل إن فيلسوف ألمانيا الكبير نيتشه قالها في كتابه الشهير هكذا تكلم زرادشت، وهي “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” ليصل الأمر ببعض مدعي النقد، ومنتحلي صنعة الكتابة، إلى طرح فكرة سوداء مؤداها: ألم يحن الوقت لدفن أسطورة الشاعر، ووضعها معه في القبر؟
العقل المتربص المتصيد، لا يعبأ بالجوهر، ولا ينظر بعين الفنان لهذا النوع من التقارض الإبداعي، والسبب في ذلك، فكرة الاصطياد ذاتها المتلبسة وعي هذا “الناقد” أو ذاك الشاعر، الغارق في وحل غيرته، والنادب حظه.
لقد حفل تاريخ الأدب العالمي بالكثير من التشابه العفوي أو التقارض الفني المقصود، ولم ينتقص ذلك من قيمة الشاعر أو الكاتب الذي بنى على نص قديم نصا حديثا. نستذكر هنا قصيدة “الظواهر” للشاعر السوري الهلنستي أراتوس واقتباس بولس الرسول لها في معرض حديثه عن الإله الموجود في كل شيء، وقصيدة بوسيدونيوس الأفامي “دعوة للنسيان” التي اقتبسها إيليا أبوماضي بقصيدة عنوانها “الطلاسم”، وقصيدة “الربيع” لميلياغروس، وتناص بعض أبياتها مع قصيدة “الربيع” للبحتري. هذا في الشعر.
أما في النثر فجميع مسرحيات شكسبير مأخوذة عن مسرحيات وقصص سابقة، وكذلك مسرحيات سعدالله ونوس من “مغامرة رأس المملوك جابر” و”الفيل يا ملك الزمان” اللتين تعتمدان على أصل حكائي تراثي، و”الملك هو الملك” وتشابهها بشكل أو بآخر مع “رجل برجل” لبريخت، و”الاغتصاب” واعتمادها بشكل كلي على البنية الدرامية لمسرحية “القصة المزدوجة للدكتور بالمي” لبويرو باييخو، وغيرها من الأمثلة التي نعجز عن حصرها، وفي الموسيقى، ماذا نقول عن عبدالوهاب وفريد الأطرش والأخوين رحباني وغيرهم؟
هكذا هو منطق الفن، نصوص نبدعها من العدم، ونصوص توحي بها نصوص سابقة، ونصوص نعارض بها نصوصا أخرى، ونصوص نبني عليها نصوصا جديدة، وإلا ما هو تعريف التراكم في الفكر والفن والحياة؟
لا شك أن قيمة محمود درويش الإبداعية أشمخ بكثير من محاولات تهشيمها، ولكن، وعلى سبيل المحاججة لا غير، لو أننا أسقطنا جميع المقاطع التي أثيرت حولها الشبهات من أعمال درويش، هل سيتأثر منجزه الشعري؟ حتما لا، فالذي صنع المعجزة الدرويشية هو منجز عمره أربعة عقود متراكمة وأزيد، لا مجرد استطرادات وحواش على متن نص كبير.