حازم مبيضين
وأخيراً وصلت رياح «داعش» الصفراء إلى الأردن، مُقتحمة حدوده في منطقة الرقبان الحدودية، وقبل ذلك في مخيم البقعة، فارتفعت أصوات تطالب بإغلاق الحدود مع سوريا، تعبيراً عن الضيق بكلفة استضافة اللاجئين، وتنادي بالحفاظ على دماء الأردنيين، لتقدمها في الأولوية على السمعة الخارجية، وجاء إعلان الحدود مع العراق وسوريا منطقة عسكرية مغلقة، وبوقف استقبال المزيد من اللاجئين، ليؤكد أن التعاطي مع ملف جنوب سوريا سيتبدل تماماً، بغض النظر عن الضغط الدولي لاستقبال وإيواء المزيد من اللاجئين السوريين، بعد أن وجد الاردن في الاعتداء الإرهابي الأخير فرصة لتنبيه العالم لما كان يُعلن الخشية منه، حول احتمالية اختلاط الإرهابيين باللاجئين، وبديهي أن تفاصيل التعاطي الأردني مع الحدود السورية أمنياً وعسكرياً، ستأخذ طابعا مغايرا بعد اعتبار كل هدف بشري او آلي يتحرك نحو الحدود الأردنية، بدون تنسيق محكم ومسبق، هو هدف عدو سيتم التعامل معه بالنار.
خطر «داعش» على الأردن ليس خارجياً وحسب، إذ تقدر سلطاته وجود حوالي (7) آلاف «سلفي جهادي»، منهم ألفان يتعاطفون مع «داعش»، وهذه ليست أرقام دقيقة، ففي مواقع كثيرة ينتشر الكثير من الدواعش وأتباع جبهة النصرة، وليس في قبضة السلطات أكثر من 200، مع غياب مُخجل ومُخل لقاعدة بيانات مفصلة، تكشف خلايا التنظيم الإرهابي، وليست هناك أية دراسة جادة، تبين أسباب الانضمام إليه أو التعاطف معه، وتبرز هنا ظاهرة صادمة، تتعلق بإعجاب أعداد كبيرة من الأردنيين مع بعض منشورات «داعش» على شبكات التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك يعتقد البعض أن «داعش» ظاهرة عابرة، معتمدين على اختلاف البيئة الحاضنة، بين الأردن وسوريا والعراق، وأن الموقع الجيوسياسي للأردن، يختلف عن البيئات التي احتضنت «داعش» في سوريا والعراق، وأن إمكانية تسرب أعضاء من التنظيم عبر الحدود غير واردة، وأن إمكانية تهريب المقاتلين القادمين من الخارج تبدو مستحيلة، وأن دور الأردن في الحرب ضد الإرهاب، يعكس وجود إرادة دولية وإقليمية، لإبقائه بعيداً عن دائرة خطر «داعش»، نظراً لتقاطع المصالح والأدوار المعروفة للجميع.
بعد جريمة الرقبان، بات واجباً على السلطات عدم السماح لـ”داعش” بالانتصار على الأردنيين، بمعنى زرع الخوف في نفوسهم، ولا اتخاذ قرارات تحت وطأة اختراق هنا أو هناك، أو استغلال اللحظة الراهنة، لتقليص هوامش حرية الرأي والتعبير، على ضيقها، أو التباطؤ في مسار التحول الديمقراطي، والقفز فوق استحقاق الانتخابات النيابية، رغم أننا لا نرجو منها خيراً، وهو إن نجح في شيء من ذلك يكون قد كسب الحرب، وليس مجرد معركة، كل هذا ونحن نواجه اقتراحات غير مسؤولة بالانتقال للحرب في سوريا، وهي أفكار ليست جديدة، وجرى تعاطيها على استحياء قبل العملية الأخيرة، غير أن السماح للتنظيم الدموي بأن يسجل نقاطاً لصالحه وعلى حسابنا، فأمر مرفوض، ولعل المطلوب اليوم شيء من التنسيق الأمني مع الجيش السوري، ذلك أن الرهان على معارضة معتدلة لم يصمد في أية منطقة على الجغرافيا السورية، ولأن تطهير الجنوب السوري من المنظمات الإرهابية، حاجة ماسّة لأمننا الوطني، والعمل على إنشاء مناطق آمنة للاجئين على الأرض السورية بالتفاهم والتنسيق مع دمشق، وبذلك نحول مساحات واسعة من محافظات سوريا الجنوبية، إلى ملاذات آمنة يأوي إليها اللاجئون، بدل التدفق إلى الأردن، أو الاحتجاز على مقربة من الحدود، كما في مخيم الرقبان.
أمّا الأصوات النشاز التي ارتفعت ضد السوريين بشكل عام، وضد اللاجئين منهم على وجه الخصوص، فإنها لم تدرك أن منفذ الجريمة في الرقبان، قد لا يكون سورياً، فالدواعش لا يؤمنون بالوطنية، وجنسيتهم عالمية وعائمة، وتناسى أصحاب هذه الأصوات أن الشعب السوري يكتوي بنيران الدواعش، وتجاهلوا أننا لم نسمع عن عملية إرهاب واحدة نفذها واحد من أكثر من مليون سوري يعيشون بيننا، بعد فرارهم من نار الحرب العمياء المشتعلة في وطنهم، وحتى لو كان المجرم سورياً فإنه ليس واحداً منهم، ومن باب أن الذكرى تنفع المؤمنين، نستذكر عتبنا على بعض الإخوة العراقيين، حين اتهموا الشعب الأردني بالانتماء للقاعدة، لأن أردنياً واحداً «الزرقاوي» عاث في بلادهم فساداً، قبل أن ينقل اجرامه الى عمان، فلماذا رفضنا أخذنا بجريرة الزرقاوي، بينما نقوم بأخذ السوريين بجريرة شخص ينتمي إلى تنظيم إرهابي عابر للوطنيات والجنسيات، ويتحرك من خارج جذره أو أصله. ندرك أن تنظيم «داعش» الإرهابي سينتهي قريباً، في سوريا والعراق، غير أن ذلك لا يعني أبداً زوال فكره وتهديده، ويعني أن الأردن لن يرتاح، بل إن ذلك مدعاة لمزيد من القلق، وبالتالي سيكون حافزاً لمزيد من الاستعداد لمواجهة الوضع المتوقع، مع وجود آلاف الشباب الأردنيين المؤمنين بهذا الفكر المتطرف، أو المتعاطفين معه على الأقل، فهم موجودون بيننا، ويشكلون تحدياً مع سقوط «داعش» في سوريا والعراق، وعلى الدولة، بعد عملية «الرقبان» الإرهابية، الالتفات أكثر إلى الساحة الداخلية، لأنه، وإن كان مطلوباً هزيمة «داعش» في الدول المجاورة، إلا أن ذلك سيمثل حافزاً لتسلل عناصره إلى الأردن، والعمل ضده، والمعركة مع التنظيم العابر للأوطان والقوميات، ليست مع السوريين أو العراقيين، أو مع شعب أو جنسية محددة، فهذا تفكير منحرف يحرف البوصلة، نحو اتجاهات أخرى لتنفيس الحقيقة.