د. سعد العبيدي
من خلال التحضيرات المعلنة للدولة العراقية وجيشها الباسل يبدو أن معركة الموصل باتت قريبة جداً بل وأقرب مما كان متصوراً من قبل، ومن خلال مسار المعارك السابقة وخاصة المسار الذي حدث في معركتي الرمادي والفلوجة وما بعدهما يبدو أن معركة الموصل القريبة ستكون مضمونة النتيجة وستحسم بوقت قصير. ومن خلال أداء الدواعش المتدني في ساحة المعركة ومن اتجاهات الأجانب منهم للهروب المسبق قبل بداية المعركة وابقاء الدواعش العراقيين في ساحتها يتلقون المصير المحتوم، يتبين أن نهاية الدواعش في العراق ستكون في الموصل موتاً على يد القوات العراقية أو هروباً قبل الاعلان عن الصولة رسمياً. انها بديهيات يمكن الاستدلال عليها بسهولة أو انها من ضمن الدروس المستخلصة لمعارك الأمس التي أديرت عراقياً بشكل جيد، وأديرت من قبل الدواعش بكفاءة تقل عن السابق بكثير. لكن المشكلة في الموصل المدينة ونينوى المحافظة ليست طرد الدواعش منها بوصفها أرضا عراقية مقدسة، فهم مطرودون حتماً، والعراقيون بجميع طوائفهم يريدون الطرد التام والعالم أجمع كذلك يريد هذا بعد الاكتواء بنار الارهاب المتطايرة.
ان المشكلة ليست بطرد وخروج الدواعش من المدينة، بل بالنتائج التي تلي المعركة، أي ما بعد التحرير: فهناك حكومة محلية مطلوب عودتها لتحكم المحافظة التي تغيرت بعض تركيبتها وتغير سلوك أبنائها، فمنهم الذي زاد تطرفاً في الدين وشؤون الدنيا، ومنهم على النقيض من كفر بالتطرف.
وهناك نازحون من الاقضية والنواحي والذين يودون العودة سريعاً الى أماكنهم وفي ذاكرتهم الكثير من انفعالات العداء. وهناك عقارات نهبت وبيعت وسجلت، وعملية تعليمية فرضت وأجيال تعودت، وزيجات عقدت. وهناك من تم تجنيده بشكل قسري وهناك من تبرع لأن يكون مجنداً، وهناك من وشى بأخيه وأبيه والقريبين منه ومن وشي به، وهناك من قتل وآزر وتبرع، وهناك من استشهد في سبيل المدينة والوطن. وهناك جامعات أغلقت أبوابها وتغيرت معالمها، وسجلات مدنية زيفت. وهناك الكثير من النتائج التي ستواجه الحكومتين المحلية والمركزية وهما في وضع حرب غير طبيعية، وشحة في المال العام وفي ظل أداء متعب.
ان الموصل بعد التحرير – بالإضافة الى ما مذكور أعلاه – تحتاج الى فهم عميق لمشكلتها وحيادية عالية المستوى للتعامل معها، وهي بالتأكيد بحاجة الى نظرة وطنية بعيدة المدى لجميع الأطراف التي أسهمت في التحرير، ولا بد لهم جميعاً أن يتنازلوا بالتساوي عن الطموحات الذاتية للجماعة والطائفة والقومية من أجل اعادة بناء نينوى لتكون محافظة جديدة بآراء جديدة وتصور عيش مشترك جديد، وبعكسه فإننا سنجد أن نينوى الأصيلة يمكن أن تتحول مرة اخرى الى بؤرة توتر وعدم استقرار تمتد آثارها السلبية على عراق بمكوناته جميعها من أقصى الشمال «زاخو» الى أقصى الجنوب «الفاو» لعشرات السنوات المقبلة.