عادل حمود
مرة اخرى يحاول تشكيل البيشمركة التابع للمنظومة العسكرية العراقية، فرض رؤية مغايرة لما يفترض ان تكون عليه الرؤية الفعلية الاعتيادية لعلاقة الاقليم بالمركز، فهذا التشكيل الذي يستمد شرعيته وتسليحه وتمويل عملياته ورواتب افراده من الاموال العامة العراقية المتجمعة بفضل بيع النفط الوطني النابع من مناطق الجنوب والوسط والشمال، يرفض بيان وزارة الدفاع العراقية بخصوص تمويل رواتب موظفيه عبر القرض الاميركي الذي تم بموافقة ومعرفة وزارة الدفاع العراقية. ويعبر صنف البيشمركة في الجيش العراقي عن هذا الرفض ببيان يتميز بلهجة غير مبررة تتميز بالابتعاد الكبير عن مقومات اللياقة في البيانات والخطابات الرسمية المسؤولة، ويهدد بايقاف التعاون والتنسيق مع القوات العراقية وكأنما هو قوة ليست بالعراقية او انه يمثل دولة اخرى وكيانا ثانيا، فأية استقلالية يمتلكها ليكون بهذه الجرأة في الطرح والشدة في اختيار الخطاب؟ ان ذلك سؤال لطالما أرق الكثير من العراقيين وهم يقلبون اوراق الموقف الكردستاني عموما والموقف الامني في الاقليم ممثلا بالبيشمركة والاسايش.
وهل تمتلك السلطة العراقية المركزية الادوات التي تجعلها مسؤولة عن هذه القوات وتجعلها مؤتمرة بأمر الدولة العراقية، ام ان الامر اهم واكثر عمقا مما نراه على السطح؟ ويبدو ان الامر عميق كثيرا وربما ينطوي على رغبة استقلالية شاملة بدأت تتعاظم في اربيل وتعتمد على الاذرع المسلحة لتنفيذها ورسم حدودها، فالبيان يظهر بلا لبس، ان الاقليم الكردستاني يبحث عن توسيع حدوده عبر التمسك بالاراضي التي حررتها قوات البيشمركة بغطاء سياسي وعسكري عراقي وبدعم دولي لاصدقاء تجمعهم المصلحة المشتركة مع العراق ككل وليس مع جزء منه. ومن اجل ذر الرماد في عيون المراقب للوضع وخلخلة الرؤية الواضحة لديه، قدم المسؤولون عن البيان لقمة من طيبة النية المغمسة بالعسل المخلوط بالسم، فبينوا انهم مستعدون للانسحاب من الاراضي التي سيتم تحريرها في المستقبل دون انسحابهم من تلك التي تم تحريرها سابقا، فتراهم يتحدثون عن الانسحاب وكأن الامر منوط بهم فقط وليس منوطا بالعراقيين جميعا، وكأنما الاراضي التي حرروها سابقا ليست لها مرجعية ولا تتبع دولة ومواطنين آخرين، وكأنما الارض العراقية ارض سائبة تصبح حصة لمن يحتلها او يحررها!.ويتحفظ البيان على مشاركة المقاتلين الكرد بعملية تحرير الموصل بموافقة وزارة الدفاع العراقية وعلى انسحابهم بإيعاز منهم. ووفقا لهذا الرؤية المتحفظة، فالمقاتل الكردستاني لا يعمل بحسب ما تراه الوزارة العراقية المدافعة عن البلد، بل بحسب مصلحة ومزاج قادته في الاقليم.ويختتم البيان عباراته بعبارة مثيرة للجدل تقول: «ان بندقية البيشمركة ليست للايجار». فهل ان استخدام بندقية البيشمركة المشتراة باموال العراق والمزودة بذخيرتها من قبل العراقيين والتي يحملها الكردي العراقي، هو استئجار لتلك البندقية وصاحبها؟ وهل ان إتباع المقاتل العراقي من القومية الكردية لأوامر وزارة الدفاع العراقية، هو انتقاص من قيمته وتصويره بانه من المرتزقة الذين تستأجر بنادقهم هذه الجهة او تلك؟.ان على المقاتلين في البيشمركة، ان يتخلصوا من النظرة الضيقة المحكومة بقوميتهم فقط، وان يعملوا ويتعايشوا مع بقية ابناء البلد على انهم اخوة تجمعهم وحدة الوطن ترابا وماءً وسماءً، وان يعوا فكرة واحدة هي ان تضحياتهم وبطولاتهم هي جزء من تضحيات وبطولات يقدمها ابناء الجيش العراقي بكل صنوفه الاخرى ورجال الشرطة الوطنية بكل تشكيلاتها وابطال الحشد الشعبي بكامل كتائبه وتشكيلاته، ولا فضل لعراقي على عراقي إلا بحبه لهذا الوطن.