محمد شريف أبو ميسم
يقدر العجز المالي في موازنة العام المقبل 2017، بنحو 31 بالمئة من اجمالي النفقات في المسودة التي قدمت لمجلس الوزراء مؤخرا، اذ يبلغ العجز 32 تريليون دينار (26.6 مليار دولار) من اجمالي النفقات البالغة 102 ترليون دينار ( نحو 85 مليار دولار) وبإيرادات نفطية وغير نفطية قدرت بـ70 تريليون دينار (نحو 58 مليار دولار)».
المسودة التي لم يكشف عنها بعد لوسائل الاعلام تضمنت بحسب نواب في اللجنة المالية، معالجة لهذا العجز من خلال الاقتراض الخارجي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجهات الأخرى المرتبطة بأدوات العولمة الاقتصادية هذه. ما يعني المزيد من الديون التي تسجل على ذمة الاجيال المقبلة بعد ان سجل العام 2016 نحو 21 مليار دولار اضافية في قائمة الديون التي وافقت عليها الجهات المانحة بعد ازمة انخفاض اسعار النفط وارتفاع معدل الانفاق على آلة الحرب مع الارهاب.. وبمزيد من الاشتراطات المتعلقة بالانتقال الكلي نحو اقتصاد سوق رأسمالي، تدار فيه الحياة عبر لغة المال وسطوته على كل مفاصل الحياة العامة، اذ ان هذا النوع من نظم اقتصاد السوق الذي يراد للعراق ان يتحرك في اطاره يترك كل القطاعات لحركة رأس المال الخاص بما فيها القطاعات الخدمية وذات المساس بديمومة مفاصل الخدمات العامة دون تدخل الدولة التي ينحسر دورها في الرقابة والتشريع وبسط سلطة القانون تحت نفوذ رأس مال شركات العولمة التي تغزو الأسواق المحلية للبلدان اللاهثة وراء وهم الانفتاح عبر منظمة التجارة العالمية والتجمعات الاقتصادية التي تدور في فلك الشركات التي تحكم العالم والتي راحت تبشر بمفاهيم جديدة تسوقها عبر أنصاف المثقفين واشباه المتعلمين من حملة شهادات التعليق على الجدران .
الديون التي يراد لها أن تتزايد بدعوى أن تصنيف العراق الائتماني بدأ يتصاعد مع موافقة البنك الدولي على منح قرضه الأخير البالغ 6 مليارات دولار ومن بعده قرض صندوق النقد الدولي البالغ 5.3 مليارات دولار، باتت القصدية فيها ظاهرة لأي مراقب اقتصادي، بعد أن وعدت جهات حكومية لدول عديدة بتقديم المزيد من الديون على ضوء ما لوح به صندوق النقد الدولي ومن قبله البنك الدولي على لسان رئيسه أثناء زيارته الى بغداد برفقة بان كي مون ورئيس البنك الاسلامي للتنمية.
وعلى ضوء هذا التبشير لم تتضح المعايير بعد ولا الكيفية الاقتصادية التي اعتمدتها وكالات التصنيف الائتماني ليرتفع هذا التصنيف ( من B سالب الى B موجب ) لبلد يعاني اقتصاده من اختلالات هيكلية كبيرة ومن عجز كبير في الموازنات العامة وفي ميزان التبادل التجاري وميزان المدفوعات وما زال اقتصاده ريعيا والقطاعات الحقيقية فيه غير قادرة على تحقيق 5 بالمئة من حاجة الطلب المحلي وهو يخوض حرب استنزاف مع قوى الظلام التي لا يعرف حتى اللحظة من أين جاءت وكيف استطاعت ان تمول آلة الحرب وكيف تحركت أموالها عبر البنوك ومن الذي مولها ومن ذا الذي يديم زخم معركتها تحت طوق حصار تفرضه القوى الدولية ؟ .. والسؤال الاهم هنا (لماذا كل هذه الحماسة والاصرار على تقديم المزيد من الديون الى العراق)؟
والجواب هنا ليس بالجديد فقد استخدمت قضية المديونية مع النظم السياسية الحديثة العهد بالديموقراطية وجيرت اقتصادياتها لصالح الشركات التي تحكم العالم بدعوى فتح باب الاستثمار ونقل القطاعات الاقتصادية بالكامل لصالح حركة السوق التي سيطرت عليها أموال الشركات العابرة للقارات ما أفضى الى حقيقة عانت منها وما زالت تعاني بعض الدول النامية التي جربت الانتقال لاقتصاد السوق على اثر ما تعرضت له من خراب تحت حكم النظم الشمولية المصادرة لصالح الطبقات الطفيلية، اذ جاء خيار نظام اقتصاد السوق الرأسمالي ليطبق على مقدرات هذه الشعوب بمحض ارادتها جراء الخلط بين هذا النوع من النظم الاقتصادية ونظام اقتصاد السوق الاجتماعي الذي توالدت عنه ما يسمى بدولة الرفاه ، اذ يلزم هذا النظام رأس المال عبر نظام ضريبي لضمان توفير الخدمات وحياة كريمة لعموم المواطنين، فيما يطلق العنان لرأس المال في اقتصاد السوق الرأسمالي ليدير أدق التفاصيل التي كانت وما زالت حكرا على الدولة في أعتى النظم الرأسمالية. ويتم ذلك من خلال برنامج مديونية توقع على حلقاته تباعا الحكومات التي يفترض انها جاءت عن طريق صناديق الاقتراع، اذ توضع لها العصي في العجلة وتصنع لها الازمات بادارة مؤسسات متخصصة بصناعة هذه الأزمات بهدف اللجوء الى المديونية وتكبيل خيارات الحكومات المقبلة خشية ان تأتي حكومة وطنية تدافع عن مبدأ العدالة الاجتماعية وعن مصالح البلاد والعباد بما يتقاطع مع توجهات الحلفاء الداعمين للحكومات التي تعمل بخيار نظام اقتصاد سوق راسمالي يدير ويصنع القرار من الحديقة الخلفية للسياسة ويجعل الانسان اسيرا لذوي النفوذ وعبدا للدولار.
واذا كان لازما أن تقدر النفقات في موازنة العام 2017 بنحو 102 تريونات دينار وان يكون العجز بنحو 32 ترليونات دينار، وهو أمر غير مبرر، فحري بالخبراء والمستشارين الذين تغص بهم المنطقة الخضراء أن يجدوا مخرجا لتحريك الكتلة النقدية المكتنزة في المنازل وتحت الوسادة والتي تقدر بنحو 33 ترليون دينار، وان يترك الشق الاستثماري للقطاع الخاص مادمنا ذاهبين نحو اقتصاد السوق الرأسمالي.. نعم هنالك مخارج كثيرة لتجنب المديونية التي سلبت سيادة العديد من البلدان وجعلت رأس المال الأجنبي يتحكم بالقرار السياسي للحكومات.