نوح سميث
الشيء الذي قد لا يعرفه كثيرون، هو أن عدد علماء الاقتصاد في المجال العام، يفوق بكثير عدد علماء الاجتماع. فالرئيس الأميركي مثلاً لديه «مجلس المستشارين الاقتصاديين»، لكن ليس لديه مجلس لعلماء الاجتماع. وكل مرشح رئاسي لديه فريق اقتصادي، وليس لدى أي منهم فريق اجتماعي. وهناك مؤسسات رسمية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنوك الاحتياطي الفيدرالي، تكتظ بالاقتصاديين، دون أن تكون هناك مؤسسات مماثلة تكتظ بخبراء وعلماء الاجتماع.
وبالنسبة للمجال الإعلامي، نرى أن علماء اقتصاد كباراً، مثل بول كروجمان وغيره، يجتذبون قطاعاً عريضاً من المشاهدين، ويحظون باهتمام ثقافي كبير، أما علماء الاجتماع، فرغم أن عدداً قليلاً منهم يتفاعل مع الجمهور، إلا أن معظمهم يتحصنون في أبراجهم العالية.
هذا شيء يدعو للخجل، لأن هناك أعداداً متزايدة من المشكلات في أميركا، تتطلع إلى علماء الاجتماع -وليس علماء الاقتصاد- من أجل إيجاد حل لها.
ومن أمثلة هذه المشكلات التمزق الأسرى؛ فإذا ما عرفنا أن نسبة متزايدة من أفراد الطبقة العاملة الأميركية، لا يقدمون على الزواج، وإذا ما تزوجوا فإنهم لا يستمرون كثيراً كذلك، فسنتوصل إلى أن النتيجة الحتمية وهي زيادة مطرده في أعداد الأميركيين الفقراء الذين ينشؤون في أسر وحيدة العائل، ما يقلص الحراك الاجتماعي بدوره، لأن الأبناء الذين يتربون في مثل هذه الأسر الوحيدة العائل، يكسبون عادة- عندما يكبرون- مالاً أقل من غيرهم من الأبناء الذين تربوا في أسر متماسكة يعمل فيها الأب والأم.
لماذا تتفكك الأسر الأميركية؟ وما الذي يمكننا عمله لعكس هذا الاتجاه؟ السبب الجوهري يمكن أن يكون اقتصادياً؛ أي نقص الوظائف للرجال، كما يدعي البعض، لكن ذلك لا يعني أن الاقتصاديين، سيكون لديهم أكثر من ذلك كي يقولوه عن هذا الموضوع.
هناك مثال آخر وهو الجريمة. رغم أن نسبة ارتكاب الجرائم العنيفة، قد انخفضت انخفاضاً كبيراً مقارنة بأعلى معدل وصلته في تسعينيات القرن الماضي، لكن المعدل الحالي للجرائم لا يزال أعلى من مثيله في دول أخرى مثل كندا وأستراليا. اقتناء الأسلحة من العوامل المسببة لذلك، لكنه بالتأكيد ليس العامل الوحيد والحاسم، لأن اقتناء الأسلحة في كندا مرتفع لحد ما لكن عدد جرائم القتل الجماعي أقل بكثير من مثيلتها في أميركا.
والحقيقة أن ارتفاع نسبة الجرائم العنيفة في معظم الولايات المتحدة في الماضي، يتحدى التبريرات المبسطة. فالاقتصاديون اكتفوا عادة بالتنقيب عن تبريرات غير محتملة، سجلها من النجاح ليس كبيراً، وهو ما يرجع لأن النظرية الاقتصادية الأساسية، لم تكن فعالة في تفسير أسباب الجريمة ولا الكيفية التي يمكن منعها بها. أما علماء الاجتماع فيدرسون في غالبية الأحيان الأسباب الجوهرية لتلك الجرائم، والكثيرون منهم كانت لهم دراسات معمقة حول هذا الموضوع.
المخدرات والانتحار مشكلتان أخريان كبيرتان. فقد لاحظ الاقتصاديون ارتفاعاً مقلقاً في استخدام المخدرات، والإفراط في الكحوليات، ونسبة الانتحار، بين بعض المجموعات الفرعية من الأميركيين خلال العقدين الأخيرين، لكن الأسباب التي تقف وراء هذه الاتجاهات السلبية، لم تكن واضحة بالنسبة لهم.
العنصرية والعلاقات بين الأعراق، تمثل مشكلة رابعة كبيرة. فانحيازات إدارات الشرطة الأميركية، مثل إدارة بالتيمور، والانحيازات العامة في منظومتي الأمن والعدالة، ليست من نمط الأشياء التي يعرف الاقتصاديون كيف يفسرونها أو يعالجونها.
كما لا يعرف الاقتصاديون الكثير عن ظاهرة التفرقة العنصرية في مجال الإسكان. فكل ما يستطيعونه حيال ذلك هو إيراد نماذج للكيفية التي يمكن للعنصرية أن تؤثر بها على مجال الإيجارات، والحراك الاجتماعي، لكن ليس لديهم سوى القليل مما يمكنهم قوله بشأن الكيفية التي يمكن بها تقليص ذلك.
هناك العديد من الأمثلة الأخرى التي يمكن إيرادها، لكني أعتقد أن التشخيص بات واضحاً، وهو أن الولايات المتحدة تعاني من خلل وظيفي اجتماعي، على صعيد العديد من الجبهات، وأن علاج هذا الخلل في أيدي علماء الاجتماع وليس علماء الاقتصاد. بيد أن الشيء الذي يدعو للغرابة هو أن علماء الاجتماع مازالوا غائبين عن النقاش العام.
كيف يمكننا علاج ذلك؟ من الخطوات المهمة في هذا الشأن، أن يبدأ أساتذة علم الاجتماع نشر أوراق عملهم على شبكة الإنترنت، كما يفعل علماء الاقتصاد.
هذا فيما يتعلق بالمجال الأكاديمي. أما فيما وراء هذا المجال، فعلى الحكومة والإعلام أن يدركا أنهما بحاجة إلى المزيد من الجهد لإخراج علماء الاجتماع من قوقعتهم. وفي هذا السياق على السياسيين والمرشحين الرئاسيين الاستعانة بعلماء الاجتماع كمستشارين، وعلى الصحف الاستعانة بالمزيد منهم لكتابة أعمدة ثابتة فيها.
وأخيراً يتعين القول إن الأمر يتوقف على علماء الاجتماع في نهاية الأمر، إذ عليهم أن يبادروا بالخروج من أبراجهم الأكاديمية، وأن يقدموا يد المساعدة لإعادة وضع المجتمع الأميركي على المسار السليم مجدداً.