محمد شريف أبو ميسم
أخطر ما ستواجهه البلاد بعد زوال خطر «داعش»، هو فخ المديونية الذي أحيط بمبررات الاستدراج نحو هذا الفخ بهدف تجيير الاقتصاد الوطني ليكون تابعا وذيلا للشركات التي ستحكم منطقة الشرق الاوسط والعراق بشكل خاص بوصفه المفصل الأساس في مشروع الشرق الأوسط الكبير.
بمعنى آخر ان كل ما تعرضت له البلاد من فتن واختلالات أمنية وتردٍ في ادارة مفاصل الاقتصاد والبنية التحتية كان نتيجة لقصدية أشرنا لها مرارا، في وقت كانت تتهمنا فيه ببغاوات السياسة بالتبشير لـ”نظرية المؤامرة” وها هي البلاد تنزلق نحو فخ المديونية والببغاوات تؤكد ان صندوق النقد والبنك الدوليين لن يتركانا نواجه شح السيولة المالية وسيمنحانا المزيد من الديون. 
اذن نحن ازاء مرحلة تكيف لتجيير كل مفاصل الاقتصاد العراقي لصالح الرساميل التي تدير دفة السياسة في دول عديدة من العالم وتحرك المؤسسات المالية الدولية، بفعل الاشتراطات التي تفرضها هذه الجهات كلما قدمت قرضا لتمويل قطاع معين.. وقد يسأل سائل (كيف؟) .
والجواب هو: مزيد من الديون يعني مزيدا من الاشتراطات التي تترك لهذه الجهات حق التحكم في هيكلية الاقتصاد العراقي.. فخذ مثلا  ان صندوق النقد الدولي ومنذ ان فرض وصايته على الاقتصاد العراقي بفعل سلطة الاحتلال كان يطالب بضغط النفقات التشغيلية (التي تستهدف الرواتب والبطاقة التموينية والنفقات الحاكمة الاخرى) لصالح النفقات الاستثمارية، وهذه المطالب كانت توحي للطارئين على الصدارة، ان سياسة هذه المؤسسات الدولية التي أدارت شؤون العديد من الدول بفعل اشتراطات المديونية لصالح الشركات التي تحكم العالم كانت توحي ان بعض هذه الشروط هدفها خدمة الاقتصاد العراقي، اذ ان ضغط النفقات التشغيلية لصالح الاستثمارية يعني التعجيل في البناء والاعمار لصالح شركات ومؤسسات القطاع العام، وهذا ما لا ينسجم مع هدف هذه المؤسسات التي تشترط الانتقال بالاقتصاد نحو اقتصاد السوق وترك الساحة للقطاع الخاص ليدير الفعاليات القطاعية مقابل منح القروض، ما يعني ان المستهدف هو القطاع الحكومي الذي يراد اختزاله وترك عجلة الاقتصاد للقطاع الخاص من خلال ضغط النفقات التي تخص المعاشات والنفقات الحاكمة.. وحين لم يكن بوسع القوى السياسية التي تدير شؤون البلاد المساس بهذه المفاصل خشية ان تتراجع شعبيتها وتهزم في ساحة التصارع المشتعلة، كان لابد أن تتحول هذه المطالب الى اشتراطات مفروغ منها لنقل الاقتصاد كليا للقطاع الخاص الذي نضجت امواله بالتعاون مع فعاليات الفساد في ظل الارباك الأمني والتصارع السياسي الذي ترتب عليه غياب سلطة القانون واختلال علاقات السوق. اذ جاء انخفاض أسعار النفط وارتفاع نفقات الحرب على الارهاب وما خلفته من تداعيات فضلا عن التدمير الكبير في البنية التحية لنحو اربع محافظات بأقضيتها ونواحيها ومرفقاتها الاقتصادية والخدمية مع تصاعد فعاليات الفساد ليكونا اليد الموجعة التي مسكت بها الجهات الدائنة وهي تضع اشتراطاتها التي تصدرها شرط ضغط النفقات في القطاع الحكومي وايقاف التعيينات لثلاث سنوات متتالية والتعجيل بنقل القطاع العام للقطاع الخاص وتشريع قانون العمل الذي يضمن للعاملين في القطاع الخاص ما للعاملين في القطاع العام بهدف التأسيس لاقتصاد سوق راسمالي تقوده الرساميل المحلية التي لن تستطيع ان تنهض بالتنمية الحقيقية مالم تقودها الرساميل العملاقة للشركات العابرة للقارات في القطاعات الرئيسية ومنها قطاع الصناعات النفطية والقطاعات الصناعي والزراعي، ولم تتضمن الشروط نصا يلزم الحكومة بمحاربة الفساد والمفسدين أو تحسين الادارة في القطاع الحكومي الذي تسبب بانهيار عمل الشركات العامة واقتصر الأمر على اشارات بسيطة دون الزام . 
وهكذا تتصاعد وتيرة الاشتراطات التي تتضمن في كل مرة نصوصا توحي بالدعم من قبيل عدم إهدار الغاز الطبيعي في حين ان العراق وضع الستراتيجية الوطنية للطاقة التي نصت على خطط ايقاف هدر الغاز قبل أن يتفضل البنك الدولي بوضع هذا الشرط، مع تأكيده على امكانية العراق بالاقتراض من أسواق المال العالمية بضمانة البنك الدولي، فيما جاء قرض صندوق النقد الدولي الأخير ليؤكد امكانية رفع التصنيف الائتماني للعراق من قبل مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية لتوسيع دائرة الاقتراض من عموم الدول الأعضاء في هذه المؤسسات التي تقود مصالح الشركات العالمية لتحكم العالم باسلوب المرابي
 «شايلوك» . وبناء على ما تقدم لابد من تحرك سريع لتفعيل دور القطاعات الحقيقية وتفعيل دور مبادرة قرض البنك المركزي والتحرك الجاد بشأن القروض الموقوفة بذمة المستلفين من المصارف المتخصصة التي منحت بفعل مبادرات حكومية لدعم قطاعات الزراعة والصناعة والاسكان فضلا عن أهمية تحريك الكتلة النقدية المكتنزة خارج التداول المصرفي والبحث عن مخارج للخلاص من الفساد وتجنب الوقوع في فخ المديونية الذي ما زال يطبق على العديد من الدول التي سلمت أوراق اعتمادها كدول أسيرة للشركات التي تحكم العالم.  

التعليقات معطلة