عاطف محمد عبد المجيد
قد يتساءل البعض لماذا أكتب عن شخصية بعينها، ولا أتعرّض لغيرها ؟ والجواب بسيط وهو أنني أكتب فقط عمّن تعاملت معهم عن قُرب، ولذلك قد تكون هناك شخصيات دولية أو عربية أو محلية، ذات ثِقل سياسي أو وزن أدبي، ولكنني لم أسعد بلقائها فلمْ أكتب عنها، بينما كان تركيزي على الشخصيات المهمة، التي ساقتني ظروف العمل أو الصداقة الدائمة أو اللقاء المباشر للتعرف عليها من مسافة قريبة فكريًّا وإنسانيًّا.هذا ما يقوله مصطفى الفقي في كتابه ” عرفْتهم عن قرب “ والصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.الشخصيات التي يكتب عنها الفقي هنا لو ذكرنا أسماءها فقط لالتهمت هذه المساحة وربما زادت، إذ يكتب الفقي عن خمس وتسعين شخصية مصرية وعربية وعالمية.الفقي قسّم كتابه إلى فصول ثلاث، الأول منها سمّاه في بلاط القصر، ويتحدث فيه عن شخصيات عربية وأوروبية منها الأمير تشارلز، أبو مازن، الحسين بن طلال، صدام حسين، فرانسوا ميتران، نيلسون مانديلا، ياسر عرفات.أما الفصل الثاني فقد سمّاه في دهاليز السياسة ومن شخصياته أشرف مروان، فؤاد سراج الدين، محمد البرادعي، محمد مهدي عاكف، يحيي الجمل.فيما جعل عنوان الفصل الثالث في الأزهر والكنيسة وفيه يكتب عن أحمد الطيب، تواضروس الثاني، جاد الحق علي جاد الحق، علي جمعة، الشيخ الشعراوي، يوسف القرضاوي.في مقدمته السلِسة والمفيدة يقول الفقي إنه عاش مؤمنًا بالعنصر البشري مدركًا أن الفارق بين إنسان وآخر إنما يكمن في مزيج من العقل والقلب تحت مسمى الوجدان، كما آمن دائمًا بأن الإنسان ابن ظروفه، لكن ذلك لا يعني أنه نتيجة مطلقة وليس سببًا فاعلًا، إذ إن الواقع يؤكد أن الفارق بين شخص وآخر إنما يكمن فيما يمكن تسميته بجدولة الذهن وترتيب العقل. كل ذلك جعل الفقي يهتم كثيرًا بالعامل الشخصي والعنصر الذاتي عند اكتشاف كل إنسان عرفه، وهو يحاول الغوص في أعماق شخصيته نتيجة فضول غريزي يسعى لفهم النفس البشرية.
ميادين مختلفة
تجارب الفقي ومعرفته بالكثير من الشخصيات في العالم أدى به إلى أن يؤمن بأن الإنسان هو الإنسان بغض النظر عن العِرْق أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين. كذلك يرى الفقي أن هناك قاسَم مشترك بين البشر في كل زمان ومكان، ولا يمكن التعميم وفقًا لعوامل الاختلاف بين الناس، فهناك الياباني غير المنظم، وهناك الألماني غير المنضبط، والسويسري غير الدقيق، كما أن هناك المهراجا الهندي الغنيّ بلا حدود، وهناك الأمريكي الفقير بلا دخل، والبريطاني الثرثار بلا تحفظ. كذلك يرى الفقي أنه لا توجد قاعدة ثابتة تحكم سلوك الناس، لكن توجد قواسم مشتركة بينهم، انطلاقًا من طبيعة النفس البشرية التي تلتقي في الغرائز والدوافع والتطلعات.هذه الشخصيات التقاها الفقي في ميادين الحياة المختلفة، بدءًا من بلاط القصر الجمهوري، وعلى مقربة من أجهزة صُنع القرار، وبعد خبرة طويلة في دهاليز السياسة وأروقة الدبلوماسية.في النهاية يدرك الفقي، هكذا يقول، أننا جميعًا في قارب واحد، فالإنسانية كلها هي الابنة الشرعية للحياة بما لها وبما عليها.الفقي لا ينسى أن يذكر في مقدمته أنه حرص على النظرة المحايدة والتناول الموضوعي للشخصيات المختلفة.كما يؤكد الفقي أن كتابته هنا ليست توصيفًا لسيرة ذاتية أو تجميعًا لأوراق شخصية، إنما هي نوع من الفهم للعقل الذي يتعامل معه والتذوق للروح التي يكتب عنها بين من عرفهم واستمع إليهم، وتحدث معهم.كما يصف ما كتبه هنا عن هذه الشخصيات بأنه أقرب إلى فكرة الكاريكاتير السياسي، أو البورتريه الشخصي.الفقي لا يكتب هنا عن كل مَن عرف مِن الناس، بل يكتب عن بعضهم، بعد أن تعامل مع ملوك ورؤساء وقادة ووزراء وعامة الناس من البسطاء، إلى جانب المفكرين والفلاسفة والأدباء، لقد عرف الأغنياء والفقراء، وتلمّس طريقه مارًّا بالفاسدين والشرفاء.الفقي يرجو في نهاية مقدمته أن يجد القاريء بين دفتيْ هذا الكتاب نماذج يتأسّى بها، أو شخصيات يقتدي بخطواتها، لعلّ الأجيال الجديدة تدرك أن الضوء يبدد الظلام، وأن الغد أفضل من اليوم، وأن الأمل هو سر الحياة ونعمة الوجود والقاطرة إلى المستقبل.
موقف إنساني
الشخصية الأولى التي يكتب عنها الفقي في كتابه هذا هي شخصية ”أبو مازن“ الذي يقول إن علاقته به تعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي حين كان يلتقيه مع ”أبو عمار“ وقيادات فلسطينية أخرى، ويصفه بأنه كان طوال حياته هاديء الطبع معتدل التوجه واقعي النظرة، وقد تولى رئاسة السلطة الفلسطينية في ظروف بالغة الصعوبة شديدة التعقيد.أما عن الملكة إليزابيث الثانية فيكتب الفقي قائلًا: إنها إليزابيث الثانية الصامدة التي رحلت أمها عام 2002، بعد أن جاوزت المائة من عمرها، فأبشري يا صاحبة الجلالة بطول العمر، أما أنت أيها الأمير تشارلز فإن انتظارك قد يطول كثيرًا!
وفي معرض كتابته عن جعفر نميري يرى الفقي أنه من الواجب أن يسجل أن نميري ينتمي إلى أكثر الدول العربية إحساسًا بالحرية، والتزامًا بحق إبداء الرأي مهما تكن الظروف، فالشعب السوداني هو الذي أدخل المفهوم الحديث لحركة العصيان المدني في قاموس السياسة المعاصرة مرتين في النصف الثاني من القرن العشرين، الأولى كانت ضد نظام إبراهيم عبود عام 1964، فيما كانت الثانية بالحركة الشعبية للنقابات ضد نظام نميري عام 1985.ثم يكتب الفقي عن جلال طالباني الذي يصفه بالزعيم الكردي المعروف الذي خاض سنوات النضال الطويلة من أجل قوميته الكردية التي تعرضت لبطش نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.هذا وقد تأثر الفقي كثيرًا بموقف طالباني الإنساني عندما رفض التصديق على قرار إعدام صدام حسين رغم كل جرائمه ضد الأكراد، وترك تلك المهمة لرئيس الوزراء نوري المالكي، حتى لا يخلق ثأرًا جديدًا بين الأكراد والسنة في العراق.وفي بورتريهه عن فرانسوا ميتران يصفه الفقي بأنه كان رجلًا داهية سياسية يتصرف كالوعل أمام خصومه، ويستطيع أن يوجه لهم ضربات قاصمة دون أن يتحرك هو كثيرًا، وهو أيضًا رجل التوازنات داخل اوروبا الموحدة، والاعتدال في العلاقة الفرنسية الأمريكية دون اندفاع. وبعد، هذا كتاب مهم يضم عددًا من الشخصيات التي أثرت بشكل ما في التاريخ الإنساني، يصعب، أو يستحيل أن نقرأ عنها مجتمعة في كتاب آخر، مثلما فعل الفقي، سواء اتفقنا معها فيما فعلت، أو اختلفنا، مع حقنا في الاختلاف أو الاتفاق مع المؤلف نفسه في بعض آرائه أو اتجاهاته السياسية.