عاطف محمد عبد المجيد
لستُ واحدًا ممَّن يُحبّذون نشر الأعمال الكاملة، لأي كاتب، وهو لا يزال على قيد الحياة، ما دام نهر إبداعه لم ينضب بعد، ولم تتوقف عجلة موهبته عن الإبداع.لكنَّ اعتراضي هذا لا يمنعني من كتابة هذه القراءة للأعمال القصصية الكاملة للقاص والروائي المصري أشرف الخمايسي، الصادرة حديثًا عن دار الشرق للنشر والتوزيع، وتضم ثلاث مجموعات قصصية هي: الجبريلية، الفرس ليس حرًّا، أهواك.بداية يمثل الخمايسي حالة إبداعية خاصة، فمن يقرأ بوستاته، على صفحته الشخصية على الفيس بوك، يظنه كاتبًا مغرورًا إلى أقصى حد، خاصة بعد أن أطلق على نفسه لقب ” إله السرد “، غير أنه، كاتبًا ومبدعًا، يعرف أين يكون موضع قدمه هو في عالم الكتابة القصصية والروائية، دون أن يقترب منه الغرور، أو تتلبّسه النرجسية، محاولًا تجويد كتاباته والوصول بها إلى مرحلة الأفضل.الخمايسي كتب قصص مجموعة الجبريلية بين عامي 1987 و1995، وتضم اثني عشر قصة قصيرة، في ما تتكون المجموعة الثانية، الفرس ليس حرًّا، والتي كُتبت قصصها في الفترة من عامي 1995 و2002، من عشر قصص، بينما مجموعة أهواك الأخيرة، والتي كتبت قصصها بين عامي 2011 و2013، فتتكون من خمس قصص هي سمكة فاتنة وموزونة، قمر السماء محبوب، كرم الجميل نجم الزماني، حدَّثنا سمير الزهراني، الغرام الأقصري.في كلمته عن هذه القصص يقول الناشر إنها أعمال قصصية تتميز بدقة السرد وجمالية المعنى، فهي عبارة عن حكايات خيالية لها معنى، وهي ممتعة بحيث تجذب انتباه القاريء، وهي عميقة بحيث تُعبّر عن النفس البشرية.كما يصفها بأنها قصص عبارة عن نص أدبي نثري يصور موقفًا، أو شعورًا إنسانيًّا، تصويرًا مكثفًا له مغزى.هذه القصص التي يضمها هذا الكتاب تمتاز بسلاسة السرد وانسيابيته، وجنوحها ناحية الخيال، مما يشير إلى أن الخمايسي يحاول أن يصنع في قصصه عالمًا موازيًا للعالم الذي نعيشه، غير أنه عالم مختلف، أي أن عالم الخمايسي القصصي ليس نسخة تم استنساخها من الواقع، بل هي عالم مستقل بذاته، له أبطاله وشخوصه، وتفاصيله الخاصة: ” لم يكن يعلم أن أفاعيل الإنسان صيرت المنفذ زجاجًا جامدًا لا يمنع النور، ولا يحجب الرؤية، فصار يطير ويخبط فيه ثم يسقط على الأرض حتى شُج رأسه، فبقى يحلّق في سماء الغرفة حتى هدّه التعب، فسقط على الأرض الرؤوم “.الخمايسي يناقش في قصصه، وبطريقة غير مباشرة، كل القضايا الجوهرية التي تخص الإنسان، دون أن ينسى العزف على وتر المشاعر التي تجمع بين أي اثنين.في قصصه يرسم الخمايسي شخصيات تنتمي حينًا إلى الواقع، وحينًا يصنعها من خياله، غير أنه يجيد تحويلها إلى شخصيات من لحم ودم: ” للحقيقة عندما مشيت في شوارع البلد لم أرَ جثثًا في أجولتها تزحف على بطونها بعيون جامدة، لم أرَ جثثًا غير هذه الجثث التي نألفها ونعيش معها، ونشتري منها ونبيع لها، وعندما خرجت من البلد متجهًا للترعة، حيث مكان جثة العذراء العاشقة، مررت بالطبع على الحقول، ولم أرَ أيضًا غير هذه الجثث التي تزرع الحقول وتحصد الزروع وتربي المواشي وتذبحها، آااه يا عقلي الذي تبخّر!“. وبعد يبدو إله السرد، أقصد أشرف الخمايسي في قصصه هذه سارداً متمكنًا، يمارس فعل السرد وكأنه يلعب ليتسلّى، ويصيغ جُمله القصصية مُغلِّفاً إياها بأسلوب أخّاذ، لا يشعر المتلقي معه بالملل، بل يضفي عليه متعة لا تتوفر في كثير من الأعمال الإبداعية الأخرى.لقد آثر الخمايسي أن يكتب الجملة التي تمتاز بالتكثيف، جملة تتجاور أجزاؤها في انسيابية وسلاسة سرديتين فائقتين.