د. منار الشوربجي
أفكر كثيراً في المسألة العنصرية، وكيف يضر أصحاب الأفكار العنصرية أنفسهم قبل مجتمعهم. وما زلت أقرأ عن كيفية تعامل المجتمعات المختلفة مع هذا المرض الاجتماعي الخطير. عاد السؤال إلى ذهني هذا الأسبوع مجدداً، وأنا أتابع الأحداث الأميركية.
فقد بدأ الأسبوع الماضي بواقعتي قتل رجلين مدنيين من السود على يد الشرطة الأميركية، أحدهما في مدينة تولزا بولاية أوكلاهوما، والآخر بمدينة تشارلوت بولاية كارولاينا الشمالية.
ووقائع مقتل السود، رجالاً ونساء بالمناسبة، على يد رجال الشرطة الأميركية، ليست جديدة، ولا هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها السود الأميركيون للشوارع، محتجين على ما جرى. ورغم أن الغالبية الساحقة من تلك التظاهرات التي تخرج بعد مقتل السود، كانت سلمية، إلا أن مظاهرات تشارلوت، التي بدأت سلمية، تحولت للعنف هذه المرة على مدار يومين، ما أدى لفرض حظر التجول بالمدينة ليلاً، وعادت بعدها الاحتجاجات لسلميتها.
ومثل كل المرات السابقة، قالت بيانات الشرطة، إن الضحية كان يحمل سلاحاً، أو كان يسعى لحمل سلاحه الموجود بسيارته. وفى كل مرة تستخدم الشرطة الأميركية تلك الحجة، أتعجب. «فحيازة السلاح وحمله» لا شيء فيهما، إذا كنت على الأرض الأميركية. فهو حق نص عليه الدستور الأميركي صراحة!، وولاية نورث كارولاينا، مثلاً، التي وقعت فيها إحدى الحادثتين، واحدة من الولايات التي تنص قوانينها على حق المواطن في أن يمشى بالشارع يحمل سلاحه علناً.
هناك ولايات أخرى تسمح للمواطنين بإخفاء الأسلحة التي يحملونها. ثم إن الشرطة التي قتلت ذلك الرجل الأسود، كانت في طريقها إلى داخل مبنى للقبض على شخص آخر، لكنها صادفت الضحية الذي قيل إن الشرطة لمحته يحمل سلاحاً، فكان ما كان. وقد ظهر شريط فيديو صورته زوجة القتيل، لم يظهر فيه سلاح على الإطلاق. لكن حتى لو ثبت فعلاً أن الرجل كان يحمل سلاحاً، ألا يعنى ذلك أنه لم يفعل شيئاً سوى ممارسة حقه الدستوري؟.
لكن أحداث الأسبوع الماضي لم تتوقف عند هذا الحد. إذ دخل دونالد ترامب وفريقه على الخط، فصب المزيد من الزيت على النار! ففي مدينة شيكاغو، عقد شون هانيتي، الإعلامي في فوكس نيوز، لقاء جماهيرياً مع ترامب، سأله فيه عن موقفه من «جرائم السود ضد السود». والسؤال في ذاته، يحمل انحيازات لا تخطئها العين.
فلا أحد في الولايات المتحدة يسأل أبداً عن «جرائم البيض ضد البيض»، لكن السؤال الذي طرحه هانيتي، عادة ما يطرح بعد كل واقعة يحتج فيها السود على مقتل واحد منهم على يد رجال الشرطة.
لكن الأسوأ من السؤال، كانت إجابة ترامب. فهو قال فوراً «سأستخدم التوقيف والتفتيش… لقد جربناه في نيويورك ونجح بشكل غير معقول». و«التوقيف والتفتيش»، هو اسم سياسة هبطت على نيويورك، حين كان رودولف جولياني، مستشار ترامب حالياً، عمدة للمدينة.
والسياسة، كما قيل وقتها، كانت تسمح لرجل الشرطة إذا ما كان لديه «شك مبني على أسس موضوعية»، أن يقوم بتوقيف شخص من المارة وتفتيشه فوراً.
لكن الحقيقة أن تلك السياسة، بدلاً من أن تقوم على «الأساس الموضوعي للشك»، قامت حسب الأرقام الرسمية على التوقيف، وفقاً للون الجلد. فوفق تقرير لشرطة نيويورك نفسها، أصدرته في 2013، ازداد استخدام تلك السياسة 600 % خلال عقد واحد. وكان 84 % ممن تم توقيفهم وتفتيشهم من السود، أو ذوى الأصول اللاتينية. وانصرف 88 % منهم فور تفتيشهم، لأن «شك» الشرطة لم يكن في محله!، وحين أثار تصريح ترامب غضب السود والأميركيين من أصل لاتيني، تراجع ترامب قليلاً، وقال إنه كان يتحدث فقط عن تطبيق تلك السياسة في مدينة شيكاغو وحدها، التي جرى فيها اللقاء.
وهو تراجع يطرح أسئلة أكثر مما يقدم من إجابات، لأن السياسة التي يقترحها ترامب لشيكاغو، قد صدر حكم فيدرالي بعدم دستوريتها أصلاً. وأحكام المحاكم الفيدرالية تسري على كل الولايات، لا فقط على الولاية التي صدر الحكم بشأن قضية وقعت فيها. ففي عام 2013، حكمت محكمة فيدرالية بعدم دستورية سياسة «التوقيف والتفتيش»، التي كانت في ذلك الوقت قد اتبعتها، بعد نيويورك، مدن أميركية أخرى.
وقالت المحكمة وقتها، إن تلك السياسة تنتهك مادتين في الدستور الأميركي، أولاهما، النص على «المساواة أمام القانون»، وثانيهما، النص على «عدم التعرض للتفتيش أو المصادرة دون سبب موضوعي».
وتصريحات ترامب، جعلتني أقول إنه في الأحوال العادية، لو أن أي مرشح تبنى سياسة غير دستورية، لقامت الدنيا في أميركا ولم تقعد. لكن الواضح أن ترامب لا يزال حتى الآن يعامل بشكل مختلف كثيراً عن أي مرشح سبقه.
فكرت في وقائع قتل السود، ثم في السياسة غير الدستورية التي اقترحها مرشح للرئاسة في الدولة العظمى، فوجدتني من جديد، وقد عدت أفكر في مرض العنصرية نفسه أصلاً، ولماذا لا يختفي من المجتمعات البشرية؟.

