نجاح إبراهيم
لن أدخل في دراسة الدّيوان بشكلٍ أكاديميّ، ولن أتبع مَنهجاً علميّاً كما يقوم المختصون بالتطبيق على القصائد ، إنّما أردتُ أن أكون نحلة مرفرفة، تطيرُ لتقفُ على جمال الورود في بستان “ كازال “[1] ، نحلة أغواها لونُ الرّحيق والعطر ، فراحت تسردُ بفرحٍ تفاصيل هذه الغواية. تتبعُ رهافة فنّ يحدّثها عن كلّ شيء في الحياة ، يُخبرها عن الناس، والحبّ ، والخوف، والأنهار، و…حتى الموت يقترب منه ، لكن “ كازار” تبعدنا عنه بإبهارنا بألوان الطيف، وبرسم معنى للحياة، وبسرّ من أسرارها ، السرّ الذي يكمنُ فيه العطر، حيث استطاعت الشاعرة أن تقبض عليه وتصطاده.
في ديوانها “شجرة ملآى بالبراعم والأزهار” ثمّة دعوة لمشاهدة مهرجان واهج، يتنامى فرحاً .
دفعة واحدة تضعك الشاعرة وجهاً لوجه، أمام حفلة مباركة ، أو صلاة ، أو طقس احتفالي يشابه احتفالات عيد النوروز.
ففي كلّ قصيدة من قصائد الدّيوان، تجدُ أغنية تتشكل، تغنّي الحياة والجمال والطبيعة. كلّ قصيدة تعلنُ فيها “ كازال” الحبّ ، تحاولُ أن تنسج علاقات حميمة مع ما يحيط بها، ومع العالم، لتخلق حلماً ، أملاً. ومن غيرها، غير المرأة يفعل ذلك ؟! خاصّة حين تكون شاعرة ، مرهفة، فهي القادرة على أن تقدّم أفقاً ليبعث في نفس المتلقي ردود فعل ، وانفعالات جمالية لا تحدّ.
لعلنا في هذا المقطع نقبضُ على قبس من ضياءات هذا الترف، حيث تقول:
“ نظرات عينيك مليئة
بورد الرّبيع
ومليئة بأحلام جميلة
من بين قوس قزح قلبك
وحمامة السّلام تمرّ
وتذهب الأيام القادمة
تنتظر الأيام
والغد مليء بطيور الأمل.”
تراها تخاطبُ مَن؟ داخلها الذي يشبه الكرنفال، أم الرّجل الذي تستحمّ في عينيه فرحاً، أم تعني كلّ امرأة في كوردستان، كلّ امرأة تعطي ضياءها ، وتجعل قلبها حديقة تهطلُ طيوراً مغرّدة بقلوب صغيرة
إنّ الشاعرة “ كازال” تمتلكُ غنىً وافراً في داخلها ، فعلى الرّغم من أنّ داخلها مفعمٌ بالحزن واللوعة والتأزم، بيد أنه يفيض عشقاً وأملاً. تُخرج منه الشعر شلالاً، لتظهر نصاعة الخارج ، وليُقرأ بشكلٍ أحلى، وبعينين أجمل ، فهي القادرة على ذلك ، وما قصائدها المهرجانية إلاّ تغاصن ما بين الدّاخل المترف ، والخارج الثري البهي.
لهذا أتت مكتنزة باللون والنبل والحُبّ. فالشاعرة لديها من الحبّ ما يكفي قارة بأكملها ، تستطيع إن لم تجده أن ترسمه ، ترهن النفس الشغوفة لصناعة الفرح:
“ سأرسم لك لوحة
/ بحجم قلب وردة
/ وغروب الشمس
/ وسألوّن السماء بالألوان
/ البيضاء الجميلة
/ لحدود المارين..”
إنها توافقُ وتتواطؤ مع “ ماو تسي تونغ” بمقولته الشهيرة :” نقدرُ أن نكتب ، أو نرسم على الورقة البيضاء أكثر الأشياء جمالاً وجدّة.” وكازال، استطاعت أن ترسم حرفها قصائد مبتلة بالنور ، ليراها الناس فيُدهشون. إنها فنانة بحقّ ، ترسل بفنّها إلينا، فتتعشقه الرّوح.فهي تعرفُ كيف تصطادُ الحياة بأناملها الملوّنة، تصطادُ اللحظات المحشوّة بالمعنى، الدّالة على الرّوح لأنها فنانة و” وليس فناناً من يدمدمُ بالشعر، ويشيحُ عن نثر الحياة ، ليس فناناً من لا يستشعر الإلهام في الموضوعات الرّفيعة. الفنان الحقيقي هو الذي يرى الشعرَ حيث توجد الحياة.”[2] وكازال تبحث عن الحياة ، ثم تؤرثها بقصيدة . وقصيدتها تشبه الشعب الكُردي برغبته في الحياة ، وبحثه عن الاستقرار الأكيد ، تشبه أغنية شعب جميل ، مزركش الآمال، كما ثيابه التي يخصّ بها احتفالات أعياد الطبيعة والولادات.
إنها كما قال “سان جون بيرس” :” من يروم التغني بقصيدة شعب ، لا يكون وحده، بل يكون مع الجموع وتدفعه الجموع..”
أتخيل” كازال “ تمتطي صهوات الجبال، بثوبها الأرجوانيّ الطويل الجميل، تدوس فوق عشب أخضر نديّ ، تنشدُ قصائدها ، وأرتال من الناس يلحقون بها ، رافعين أياديهم عالياً ، يهزّون برؤوسهم طرباً.
إنّ من يقرأ ديوان “ كازال” ويلهث وراء رائحتها، يُدرك تماماً أنها اتخذت الشعر بديلاً عمّا ينقصُ الإنسان الذي فيها، وما ينقصه كثيرٌ، كالأمان والخلاص والشعور بالوحدة:
“ كلانا
/ أنا وأنت
/ سجينان
/ أنتَ سجين التقاليد
/ وأنا سجينة الخوف..”
ولعلّ ما يخيفها هو شوارع وطنها، التي تمتلئ برائحة الهلع والبارود، بينما أيادي المكان مثقلة برائحة الخيانة ، وألسنة الكذب تجول في كلّ مكان، لهذا لا بدّ من كتابة القصيدة ، لابدّ من جسر تمدّه إلى الحياة ، حيث تزرع الحبّ الذي تشتهيه، ليتسع المكان الذي ضاق في وطن يتألم ، يشهق جراحاً راعفة، مما يصعبُ التنفس فيه، وما أرادت إلاّ أن تحيل هذا الاختناق إلى حرية ، وتلك الدّمعات الحارّة التي تحفر الخدين ، إلى احتفاء بجبّ يجيء.
“ أنا دمعة/ وأنت مئات الدّموع المتناثرة
هاتين العينين أريدهما للحبّ.”
ترغبُ “ كازال” أن تتجاوز ما هو مؤلم ، أن تتجاوز الماضي ، هذه هي رسالتها التي تحمل، لتشعلَ حاضراً جميلاً:
“ لا أنظرُ إلى الماضي
/ حتى لا أرى الحياة بأحزاني
/ وحدك ضلع من بساتين قلبي/
ومن حجيراتها تنبض..”
لقد تماهى الوطن بالرّجل الذي تحبُّ أن تكون منه وفيه ومعه، لا تلغيه لتُظهر قوّتها، أو تنال حريتها ، ولا تقتصُّ منه بعد أن تبرز كرهها له لظلمه كما تفعل الكثيرات الشاكيات. إنها تعشقه أن يكون إلى جانبها ، تعترف بوجوده ، وباحتلاله أنبل الأماكن وأسماها في حجيرات القلب ، تراه حبيباً وضوءً، والعلاقة به ترقى، حتى يصبح كوناً:
“ أكتبُ لك شعراً
/ يهلّ مثل ندى الأمطار
/ فيلوّن وروداً
، ونجماً متوشعاً بزيّ ربيعي.”
تستطيع بشِعرها أن تصيّره نجمة في سماء الحياة، فيجيئها في الليل ، وفي الأحلام ، لتحدّق به طويلاً .هي التي تمنح الكائنات السلام والحبّ والسّكينة، تنقي دواخلها بنشرها البياض وعطر النرجس البريّ، لتثير في القارئ وفينا شيئاً مختلفاً. تستطيع أن تلهث وراء الحياة والحبّ والشِعر ، وأن تغسلَ القلوب من الحقد والتلكؤ والعفن، ولعل لهاثها خلف جمال الطبيعة ونقاء الحبّ والتصالح الأنيق مع الرّجل ، هو ما يؤكد رغبتها في هذا الفعل. وهذا لم يكن قط بعيداً عن الوطن الذي تحيا فيه، ولأجله، فهي تغنّيه لأنه راتع في وجدانها حتى ليغدو مُحرّكاً قوياً لمعاناتها ، فمنه تنطلقُ وإليه تؤوبُ.
فكم يؤلمها حين ترى الحرب قد استعرت فيه وتكاد تقضي عليه ، وعلى الجمال الذي يرفل به ، فتلعن الحرب وتندّد بمن أضرمها:
“ أيتها الحربُ خسفتِ أسطورة جمالنا
وجررت عالمنا السّاحر نحو الموت
حين كانت ورود السلام
تنتظر عقد القران
تسجلت الأسرار الخفية والمقاصد
عند حافة الموت
اذهبي يا حرب ..وداعاً.”
تريد لهذا الوطن أن يبقى شامخاً، لا تكسره الحروب ولا تحنيه، تريده رافلاً بالاخضرار والأمان والجمال، لهذا تبقيه حاضراً أبداً في قصائدها ، حياًّ، وعلاقتها به علاقة الذات بها، علاقة قائمة على الانتماء له، والانتشاء بكلّ شيء فيه، والتباهي بجماله:
“ من أجل بريق روحك
أحيا ،لازلتُ أملأ أنهارك بالنرجس
فأصير فلاحة خضراء لبراعم روحك البيضاء
وأصير شجرة عالية القوام.”
بهذه اللغة الشفيفة الشعرية، التي حفرت بكلّ طاقاتها الجمالية لتصوغ القصائد العذبة، الندية، والعبارة الواضحة، السلسة، تزخرُ بها قصيدة “ كازال”، التي تدعو القارئ لأن يلامسها بشغاف قلبه ، يجاسدها كالعطر، يؤرثها في حنجرته ويغنيها. لغتها لغة الأنثى الحالمة، المتألقة بالأسرار والعطاءات، لغة جسد مرويّ بعبق الورود واشتهاءات أفق. جسدٍ يشبه وطناً ، ارتوت من أنهاره ، فتشابكت الأصابع عند ضفافها لتتساقط منها مقطوعات من مواويل كرديّة. لغة تحكي ثقافة شعب يناضل من أجل الحياة. لغة حُبلى بالبراعم والأزهار كما عنونت الشاعرة ديوانها، لغة قلب ينبضُ جاء بالشعر رهواً ف” الشعر قد يحبل به العقل، ولكنه يولد من القلب أو لا يكون.”[3]
هو قلب “ كازال” منح الجميع حباًّ لا ضفاف له، إنه صدى لصوت المرأة الشاعرة، ترجيع لما يتصل بحياتها من عشق واتقاد ورغائب. لغة شاعرة معبّأة بنار القصيدة المتوهجة كما النوروز يتقدُ في أعالي الجبال ، ليشتعل في الرّوح المناضلة تجدّداً. تكتب مع ما يتوافق مع نبضها وأحاسيسها الجيّاشة ، وصوتها الخاص، تهبُ الألوان والأسماء لمخلوقاتها كما ترغب. إنها صادقة معهم ومع نفسها، وواثقة من أنّ قصيدتها تغني الحياة.
[1] – شاعرة كردية من كردستان العراق.
[2] – كتاب الممارسة النقدية- بيلنسكي – ترجمة : د. فؤاد مرعي ومالك صقور- دار الحداثة – دمشق- 1982- ص49