سلام مكي
«ليس من حق الحكومة العراقية التفوه بتلك الكلمات غير المتناسقة! لأن تركيا لها وجود تاريخي في المنطقة»، هذه العبارة التي قالها رئيس الحكومة التركي، تعبر عن الموقف الرسمي التركي الذي يدعو الى احياء الماضي، واعادة الروح الى الرجل الميت! وهي عبارة تعبر أيضا عن سياسة تنم عن موقف عدواني، استفزازي، يهدف الى استغلال الاوضاع السياسية والعسكرية التي يمر بها البلد.
بغية تنفيذ مخططات قديمة وتغذية النزعة التوسعية للدولة التركية التي تحلم بالعودة الى امجادها الاستعمارية عبر بوابة الموصل التي تراها الابن الذي اخذ منها بالقوة، وهي اليوم تريد استعادته الى حضنها، رغم انها اب غير شرعي، اب قتل وشرد وسبى واحتل مدنا ودولا، لسنين طويلة جعلته يتصور انه الاب الشرعي لتلك الدول، متناسيا ان العراق موجود منذ اقدم العصور، اذ كان دولة تحكمها القوانين والتشريعات وله حضارة عريقة، بينما تركيا كانت حتى وقت قريب عبارة عن قبائل توسعية همجية، لا عمل لها سوى الاغارة على البلدان المجاورة. 
بن علي يلدريم، رئيس الوزراء التركي، استنكر في حديث له، مطالبة الحكومة العراقية بخروج قوات بلاده المحتلة من الاراضي العراقية، ودافع عن احتلال قواته لأراض عراقية بقوله بأن القوات التركية تحارب داعش وتمنع التغيير الديموغرافي في تلك المنطقة! وانها باقية رغما عن بغداد!!، وهذه التصريحات تجد لها للاسف ترويجا وقبولا عند بعض الاطراف في الداخل العراقي، بل انها تجد محامين ومدافعين عن التواجد التركي، ناهيك عن صمت بعض الاحزاب والقوى التي تصور نفسها مدافعة عن السيادة الوطنية ضد الانتهاكات المتكررة لدول الجوار، وانها ترفض دخول اي جندي اجنبي الى البلد، وانها مع بسط الحكومة كامل سيادتها على الارض العراقية. 
تركيا بحجة محاربة الارهاب، تفرض وجودا عسكريا داخل الاراضي العراقية، وتصرح بأن على الحكومة ان تلتفت الى القوات المتواجدة في ارضها غير القوات التركية، رغم ان تلك القوات جاءت بطلب وموافقة الحكومة العراقية، وانها ستترك قواعدها وتغادر البلد متى ما طلبت منها الحكومة ذلك، اما قوات تركيا فهي محتلة لم تطلب وجودها الحكومة العراقية، بل هناك جهات اخرى هي التي سهلت دخول تلك القوات وهذه الجهات هي التي تدافع عن ذلك الوجود عبر اطلاق التصريحات التي للأسف لم ترد عليها الحكومة، فتلك الجهات تقول ان وجود القوات التركية وانشاء القاعدة العسكرية في بعشيقة تم بموافقة وعلم بغداد! وان تلك القوات تحارب الارهاب وتدرب الشرطة المحلية والقوات العسكرية التي تتهيأ لمحاربة داعش، وانها مستعدة لتقديم كل اشكال الدعم لها!.
 اما عن مسألة التغيير الديموغرافي، فلا اتصور ان لتركيا او اية دولة اخرى الحق في التدخل السافر بهذا الشكل لأن التركيبة السكانية ومكونات الموصل كلها شأن داخلي عراقي والدولة العراقية هي التي لها الحق في معالجة اية مشكلة قد تحدث بعد داعش او اثناء التحرير، ومكونات الموصل تابعة للعراق فقط وليس لتركيا. ثم ان وجود داعش هو اكبر خطر يهدد تلك المكونات، التي هجرت من ديارها او تعرضت الى الاضطهاد في ظل حكم داعش. كما ان السلطان التركي اردوغان صرح بأنه يريد الموصل صافية، لا وجود فيها الا لمكون معين، وهو امر يتناقض مع الادعاء التركي بالحفاظ على مكونات الموصل ومنع التغيير الديموغرافي.
يبدو ان تصويت البرلمان التركي على تمديد وجود تلك القوات في العراق، واصرار الحكومة التركية على ان وجودها شرعي هو محاولة للتأثير على مسار عملية تحرير الموصل، ومحاولة ايجاد موطئ قدم لتركيا في موصل ما بعد داعش، اضافة الى العامل الاساس وهو منع الحشد الشعبي من المشاركة في التحرير، لأن مشاركته تعني ان تركيا لن تكون وحدها في الموصل، وان هناك من يعارضها ويقف بالضد من تطلعاتها واحلامها التوسعية. 
تركيا تملك اليوم جبهات سياسية واعلامية داخل العراق، مهمتها التأثير على الرأي العام العراقي، ومحاولة ايجاد منفذ داخل المجتمع العراقي والتقليل من فكرة وجود قوات محتلة، وايهام الناس انها موجودة لمحاربة تنظيم داعش الذي لا وجود له لولا سياسات تركيا ودعمها للتنظيمات المتطرفة والارهابية. 
ان السياسيين الذين يؤيدون الوجود التركي هم انفسهم يرفضون مشاركة الحشد الشعبي، ويؤيدون فكرة وجود قوة عسكرية اقليمية تقف بالضد من الحشد الشعبي. الحكومة العراقية من جانبها لم تتخذ اي اجراء يوازي حجم المشكلة، ويؤكد لتركيا انها ليست بمواجهة حكومة ضعيفة، فهي تملك اوراقا عديدة يمكنها ان تواجه بها تركيا اهمها: اللجوء الى مجلس الامن والامم المتحدة، ورفع دعوى امام محكمة العدل الدولية واطلاع العالم على حقيقة الاحتلال التركي والدعوة الى عقد جلسة طارئة للمنظمة الدولية لمناقشة الاحتلال التركي، بل يجب اتخاذ خطوات قانونية في ضوء القانون الدولي الذي يعالج هذه الحالة. كما يجب على الحكومة ان تلعب بورقة التبادل التجاري، اذ ان العراق سوق كبيرة للبضائع التركية، وان اي قرار بمنع استيراد البضائع من تركيا يمكنه ان يشكل عامل ضغط عليها. وهناك خيار اخير هو الخيار العسكري، اذ ان على الحكومة ان تتهيأ لمواجهة اية قوة محتلة بعد استنفاذ جميع الوسائل الدبلوماسية والقانونية.

التعليقات معطلة