المستقبل العراقي/متابعة 
 
المستقبل العراقي/متابعة -لا تكاد معاناة ساعات عديدة من المشي على الأقدام في رحلة تزدحم بالمشقة والرعب، هربا من جحيم المعارك في مدينة الموصل تلازم النازحين حتى تتلاشى عند لقائهم على أبواب مخيمات النزوح مع أقارب لهم سبقوهم في الفرار من المدينة قبل نحو عامين ونصف العام عندما سيطر التنظيم على المدينة.
وتغمر الفرحة الممزوجة بالألم قلوب العراقيين فور وصولهم إلى المخيمات بمحيط الموصل، فهناك إضافة إلى اجتماعهم مع أقاربهم الذين أبعدتهم عنهم الحرب على مدار عامين ونصف العام، يشعرون بأمان افتقدوه منذ سيطرة داعش على مدينتهم عام 2014.
إحدى النازحات العراقيات (رفضت الكشف عن اسمها) فرقتها الحرب عن شقيقها أبوإياد طوال عامين ونصف العام، قبل أن تجتمع معه في مخيم “الخازر” للنازحين شرق الموصل.
وتقول النازحة “رغم المآسي التي رافقتنا خلال فرارنا من قبضة داعش وهول المعارك فإني فرحت حين التقيت مجددا بشقيقي أبوإياد بعد فراق طويل”.
وعلى أبواب مخيم الخازر كان أبوسعاد، الذي نزح عام 2014 من الموصل، يترقب أفواج النازحين الجدد قبل أن ينطلق مسرعا صارخا بأعلى صوته “سعاد سعاد” ويجثو على ركبتيه أمام بناته الثلاث ليحتضنهن بعد فراق دام أكثر من عامين.ويقول أبوسعاد، والدمع يغمر عينيه، “لم أر بناتي مدة أكثر من عامين ونصف العام، ومشاعري لا توصف، وهذه دموع أذرفها فرحا بلقائهن. لم أتصور أننا سنلتقي مجددا لكن القدر جمعنا مرة أخرى. الآن أصبحت مطمئنا؛ إذ أنهن أصبحن في مأمن حتى وإن كانت هناك معاناة داخل المخيم”.
سعيد زينل (66 عاما) أحد الفارين من جحيم المعارك من قرية “طوبزاوة” (شرق الموصل)، يقول “أرعبتنا قذائف المدفعية وبتنا نخشى على أطفالنا ونسائنا فقررنا الرحيل من منازلنا باتجاه مخيم الخازر الأقرب إلى منطقة سكننا”.
ويضيف زينل، بينما يتوسط عائلته أمام خيمة حصل عليها من إدارة المخيم وتجلس إلى جواره زوجته مع أحفاده، “قضينا مدة أربع ساعات مشيا على الأقدام، كانت الرحلة الأصعب في حياتنا حتى وصلنا إلى ناحية برطلة (شرق الموصل) وهناك كانت حافلات في انتظارنا ونقلتنا إلى المخيم”.
أبومنار (44 عاما) من سكان قرية “بازوايا” (شرقا)، يقول وهو يحمل كيسا من الأرز متوجها إلى خيمته، “لا نعلم من أين كانت تسقط علينا قذائف الهاون. لقد تضررت بعض منازلنا جراء الاشتباكات والقصف”.
ويضيف أبومنار “بعض السكان قتلوا داخل قريتنا ولم نتمكن من إنقاذهم أو دفنهم والبعض أصيبوا بجروح ولا نعلم مصيرهم حتى الآن”.
ويتابع قائلا “البعض من عناصر داعش كانوا يتعمدون اتخاذ المدنيين دروعا بشرية من خلال الدخول إلى منازلنا وخصوصا المأهولة بالسكان والاشتباك منها مع قوات الجيش العراقي”.
عراقي كان لا يستطيع التعرف على زوجته المنتقبة في أسواق الموصل إلا من خلال حقيبة يدها لأنه من المستحيل مخاطبة امرأة أو لمسها في مكان عام، فعقاب ذلك الموت
وقال ريان وهو أحد سكان الموصل إنه رأى العائلات لدى وصولها إلى المدينة، وأضاف “شاهدنا بعض العائلات عندما وصلت إلى أطراف المدينة، الأطفال والنساء كانوا حفاة وقد أدميت أقدام بعضهم بسبب المشي كأنما كانوا خارجين من تحت الأنقاض متعبين ومنهكين تماما، حفاة جميعا… بكينا عندما شاهدناهم”. وذكرت المرأة التي قالت إن اسمها فاطمة “نادى عناصر داعش في الجوامع عبر مكبرات الصوت سكان القرية… وأمرونا بالتجمع في المدرسة… وعزلوا الذكور
من عمر 14 سنة فما فوق وتركــوا النساء والأطفال والرجال المسنين وأمرونــا بالسير على الأقدام والتوجه إلى الموصل”.
وأضافت “أحدهم كان يصرخ فينا: أسرعوا سيأتيكم جيش الكفرة (الجيش العراقي) ليقتل أطفالكم ويغتصب النساء… كما أبلغونا أن أي امرأة لديها هاتف جوال تحاول أن تجري به اتصالا سيتم إعدامها فورا”.
وخرج أبوأحمد -وهو في أوائل الستينات من العمر- وبناته وأحفاده من “اللزاكة” وناموا ليلتين في العراء، وأخذ المتشددون أحد أبنائه.
وقال “عناصر داعش أخذوا أحد أبنائي عندما جمعونا في القرية، وهو منتسب شرطة وإلى حد الآن (بعد مضي خمسة أيام) لا نعرف عنه شيئا ونخشى أن يكون قد تم إعدامه”.
على مدى سنتين، اقتصرت حياة صدام دحام على الصلاة والمساومة مع الدواعش على طول لحيته ودشداشته، قبل أن يتمكن من الهرب أخيرا مع زوجته وأولاده الثلاثة من بلدته طوبزاوة.
وقالت أم علي البالغة من العمر 35 عاما والوافدة من قرية أخرى قرب الموصل “كنا نعيش في ما يشبه القرون الوسطى. فالمدارس أغلقت لأنهم أخذوا كل ما وجدوا فيها من تجهيزات إلى سوريا”. وأضافت شابة منتقبة قربها “لم تكن لدينا أي حرية”.
بابتسامة شابتها المرارة روى قريب دحام، رافضا الكشف عن اسمه خشية تعريض أفراد عائلته الذين بقوا في مناطق سيطرة داعش للخطر، كيف أجبر الداعشيون زوجته على ارتداء النقاب. 

التعليقات معطلة