شذى فرج
عندما دق منبه الساعة السابعة صباحا متزامنا مع صوت أم “أحلام”..
أحلام.. تلك الفتاة الصغيرة هي الآن في مرحلة الخامس الابتدائي ..سمراء اللون..وعيونها تحكي كصبية عجولة وذكية ومرحة..شعرها الفاحم يداعب أمنيات والديها بأن تكون يوما ما “طبيبة” يفتخر الجميع بها.
عند كل صباح..وكعادتها تستيقظ “أحلام” وفي ذهنها الكثير من دروس اليوم والغد..وعلى عجل منها..تركض نحو ملابسها لترتديها بسرعة.. سرعة كانت لا تضاهي خطواته وهي تدمدم قائلة لامها:
– “ وين السندويجة” ..؟
فتسرع إلام نحو المطبخ وتحاول قدر الإمكان بان تجهز “سندويجة” أحلام المفضلة والمتكونة من قطعة الجبن والقليل من الخيار..وتناولها لها موبخة إياها على سرعتها الجنونية لتقول لها بود:
– “ ليش دومج مستعجلة بنيتي” ..؟
وبينما كانت ترافقها حتى الباب الخارجي..كانت تهمس بإذنها وبحذر شديد لكي تنتبه من الطريق..وان تترك عادتها هذه التي تسودها إلا مبالاة غير أبهة لما تقوله أمها..وترد أمها صارخة بصوتها الطفولي:
– “ ماما صارت ثمانية ألا ربع”
وهكذا تمؤ بيديها لامها لتسمعها كلامات الوداع
– “ مع السلامة”
بعد خمسة من الدقائق معدودات من ألان..يدوي انفجارا هائلا في الطريق السالك الى المدرسة..فتقع “أحلام “ شهيدة على الفور..وبلا شعور يهرع الجميع نحو مكان الحادث.. محاولين إسعافها..ولكن دون جدوى..فقد أغمضت “أحلام” عينيها على الفور والى الأبد.. وذهب نفر منهم ليبلغوا أهلها وما فتئ إلا ان يركض كل من في البيت وكان الأب يردد وهو يحضن جسدها الطاهر مرددا بمرارة:
– “ في كل مرة تركضين نحو الموت “ وتنجين ألا اليوم .. لما فعلت هذا يا أحلام..ألم تعدينا بأنك سكتوني طبيبة ذات يوم.؟
وجالت في باله ذكرى حدثت قبل سنتين مضت..حيثما كنت قريبة جدا من الموت عندما ضربك أخوك بعصا ثقيلة على رأسك وانتم تلعبون “ لعبة الشرطة والحراميه”..وفي أخرى عندما دفعها أخوك من فوق السلالم فكادت تموت حينها ..تمر لحظات أليمه..يصبح فيها كالمجنون..يهذي..فيبكيه الجميع:
– لم أنذرت نفسك للموت يا أحلام ..؟
– أتعاقدت معه دون علمنا يا أحلام ..؟
– لم استعجلت الرحيل .. لم ..؟
فتصرخ أمها هي الأخرى ..مجهشة ببكائها:
– “ حبيبتي أحلام..راح تجي عليج مريم وفرح ولمى “..باجر عيد ميلادج يمه أحلام .. ليش دومج مستعجلة ..؟
هي ذي أحلام..وللمرة الأخيرة كانت تركض الى الموت..وهي مزهوة بألوان ثياب المدرسة..بقميصها ألأبيض الذي تناثرت عليه بقع دمها الندي لتكون نجيمات تشبه العلم العراقي
هكذا رحلت أحلام..نعم رحلت صوب الشمس بكل ألق الموت وأناقته لتكون شهيدة الوطن.