يسري عبد الغني
عندما أخبرني والدي أن العم خليل انتقل إلى رحمة الله صباح اليوم ، ويجب أن أذهب للمشاركة في وداعه لمثواه الأخير ، سألت والدي : وهل ستكون الصلاة عليه في السيدة نفيسة كما تعودنا في حينا ؟ ، قال لي : ستكون الصلاة في البطرسية بجوار الكاثدرائية في العباسية .. تعجبت من كلام والدي ، وأعدت عليه : هل تقصد العم خليل الذي يسكن في شارعنا ووالد المهندس زاهر الذي كان معي في الكُتاب وأكثرنا حفظًا لجزء عم ؟ 
قال لي : نعم هو .. ولماذا تسأل ؟ ، لم أجب وأكدت عليه أنني سأذهب ، إنها أول مرة أعرف فيها أن العم خليل من الأشقاء الأقباط ، العم خليل الذي كان يعيش معنا في حي الحلمية الجديدة والذي كان أول من يقودنا في عمل زينة شهر رمضان ، وأول من يقودنا في جمع جلود الأضاحي في عيد الأضحى لتقديمها إلى عربة الإسعاف التي تجمعها كتبرعات بمجرد مرورها في شارعنا ، عم خليل الذي لم أراه يأكل أو يشرب أو يدخن خلال نهار شهر رمضان ، وكان يتناول طعامه بعد أذان المغرب مثلنا تمامًا ..
عم خليل الرجل الطيب الصالح الذي كان صدوقًا خدومًا معطاءً ، يساعد الجميع ويقف بجوارهم في الأفراح والمآتم ، وفي كل المناسبات ، ويعشق صوت محمد رفعت وعبد الباسط والبنا.
وعدت بالذاكرة إلى المنزل الذي كانت تسكنه جدتي في حارة الألفي والذي كان يضم أشقاء من المسيحيين واليهود ، نعيش جميعًا معًا في أخوة ومحبة وصفاء ومودة ، كان يسمى بيت النحاسين ، وسألت عن سر التسمية فقالوا لي : إن بعض تجار النحاس كانوا يسكنون فيه ، ولكن جدتي قالت نقلاً عن جدي لأمي الذي كان مطالعًا جيدًا للتاريخ : أن هذا البيت ترجع ملكيته لأحد أفراد أسرة النحاس باشا رئيس الوزراء المصري الأسبق ، وقد أوقفه وقفًا خيريًا .  تذكرت أم كوهين السيدة التي كانت تسكن مع جدتي ، وتصنع معها كعك عيد الفطر ، ورقاق عيد الأضحى ، وفي نفس الوقت كانت جدتي وأمي يساعدونها في عمل الأطعمة الخاصة بهم ، وكانت بمثابة الأم والأخت والصديقة لنا جميعًا ، كانت تصطحبنا إلى حديقة الحيوان وحديقة القلعة ، بل كانت تجهز طعام الإفطار مع جدتي وأمي طوال شهر رمضان ، ونحتفل جميعًا برأس السنة الميلادية ورأس السنة الهجرية وشم النسيم ، مجهزين جميعًا ما تلزمه هذه المناسبات ، وقد عاشت الخالة أم كوهين ، وماتت ودفنت هي وزوجها وابنتها في مصر . وأتذكر أم يني اليونانية الأصل ، الخياطة التي كانت تصنع كل ملابس نساء وبنات العائلة ، والتي كانت ترفض أن يقال عنها أنها يونانية ، وتؤكد على مصريتها ، قائلة : أنني من العطارين ، وجورج زوجي من الماكس ، وقد أصرت ألا تترك مصر ، بعد أن مات ابنها يني في الحرب العالمية الثانية ، وقد أكد لي الأهل أنها تطوعت أيام العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ، وعاشت هي وزوجها يضعان صورة الزعيم الخالد / جمال عبد الناصر على أحد جدران شقتهما ، وكان يعشقان أم كلثوم وعبد الوهاب وفوزي وكارم والكحلاوي وكاريوكا وسامية جمال ، وكم تحدثوا عنهم معنا جميعًا …، وأذكر أن أبا يني كان يذهب معنا إلى جامع الرفاعي يستمع إلى دروس الشيخ الشرباصي رحمه الله .
الأمر الذي أريد أن أحدثك عنه أن الخالة أم حسين جارتنا قالت إن حسين ابنها دخل إلى مستشفى القصر العيني وسيجري عملية جراحية صباح الغد ، وطلبت أن ندعو له جميعًا بالشفاء ، فما كان من أم كوهين وأم يني أن اصطحبا كل أطفال ونساء الحي وذهبوا جميعًا إلى رحاب السيدة زينب لندعو جميعًا لحسين أن يشفيه الله ، ويعود لنا سالمًا ، وقد استجاب الله لنا جميعًا ..
أذكر حارة السقائين بحي عابدين ، وكنيستها التي كانت تقدم طعام الإفطار للصائمين في رمضان ، وفيها تلقيت دروس الرياضيات والعلوم في الإعدادية والمرحلة الثانوية بالمجان على يد الأستاذين / حنا وميخائيل ، وزرت من خلال رحلاتها المتحف الإسلامي والمتحف القبطي والمتحف المصري القديم ، في نفس الوقت الذي استمعت لأول مرة إلى روائع سيد درويش وداود حسني وعبد الوهاب بعود وصوت الأستاذ / نسيم جرجس … 
هذه هي مصر التي عرفتها ، قبل هذا الزمان الأسود الذي اقتحمنا فيه التعصب والتشدد والتطرف والغباء الأعمى الذي أبعد عنا الحب والتسامح واحترام الآخر ، ولكن الأمل مازال معقودًا على أن تعود مصر إلى ما كانت عليه ، مع كل التقدير والاحترام لمن يتحدثون عن تجديد الخطاب الديني ، ذلك المصطلح الذي أصبح بكل أسف سيء السمعة … حفظ الله مصر وحماها وأبعد عنها كل شر

التعليقات معطلة