هندة العكرمي
الغضبان في المواقف الرافضة و البحث عن بديل للموجود المرفوض.
فلئن كان وجود الإنسان يقاس بمدى حريته فان حريته تقاس بمدى حرية الآخرين هذا ما سنتناوله بالشرح و التحليل من خلال منتج
“بين ظهور الأقواس”.
بلغ الأستاذ حسين الغضبان مرقى جديدا في الشعر العربي أذكى في النفس جذوات تفكير جديدة و حاجات متجددة إلى الجمال و بحثا أعمق عما يؤهل الكيان فتجعل القرائح تتفتح طلبا لأفاق جديدة تظهر أولى معالمها ماثلة في ما تنثره قريحته من مسارات و مسالك لم نجد إلا أن نباركه و ندعمه راجين له التوفيق لكون مادة الشعر ما هي إلا تواصلا شفويا قويا يؤثر تأثيرا مباشرا في النفس فان هذا جعله مهيمنا على القضايا الحضارية. و ما اختاره الشاعر من سنادات و توجهات واقعية عادة تكون بيداغوجية لتضمن مراعاة للتحليل و الاختلاف في المواقف اختلافا يكون في حد ذاته مثيرا للنقاش و الثورة على السائد الراكد. هذا قد جلاه الشاعر من خلال صيغ لغوية زين بها كتاباته لتعطي رونقا و تجعل اللغة العربية بين بقية اللغات و حصيلة لعل في ثناياها ما يتيح مزيد التمكن من نظام لغتنا العربية و آلياتها النظمية “تحرّ عطر الدواخين تعرف طعم الأسرار”. أو كقوله في قصيدة عمال مهرة “استنكفهم تركوه…صاح الذباب سقط الملك” فتراها هنا بين أصابع الغضبان عقلية منطقية المعنى فيها كامن في ما يتضمنها من أبنية نحوية و صيغ صرفية بناها شاعرنا بحنكة و دراية لتبلغ أهداف الكلمة و أهداف المادة على حد السواء أما عن أهداف المادة عند الغضبان فهي ما ترومه من رهنات جوهرها تأصيل المتلقي في هويته الحضارية باعتباره ناقلا للوقائع التاريخية و الواقعية الحديثة و بالتالي الإسهام بطريقة غير مباشرة في نحت شخصية المتلقي نحتا ينبذ التعصب و الانغلاق و يؤمن بالانفتاح الخلاق على الآخر و ثقافته من خلال أهداف الكلمة التي تدعو إلى الاستفاقة من السبات العميق و التوجه نحو التقدم و الازدهار و دحض الاستعمار بشتى أنواعه و خاصة الاستعمار الثقافي و بالتالي فهو داعية إلى التمكن من الأدوات المنهجية و الفكرية التي تجعل القارئ “يتعلم كيف يتعلم” و أن بلغ ذلك فسينجح في إنقاذ الواقع المرير من سواده و أدل على ذلك من قوله في قصيدة وطني “حين تكون بلا ضياء..الشمس..تنب تحت الغيوم” و ما الضياء هنا سوى ضياء العقول النيرة في واقع مرير اسود كما أسلفنا. و اعتبارا لهذا الواقع المرير في القصائد الغضبانية فقد لعب دورا كبيرا بان يكون دافعا إلى الإبداع و دافعا إلى الدعوة و دافعا إلى التقصي و التساؤل حول مصير الشعب العراقي في خضم تلك الظروف فقد كان للعقل السلطان المطلق أو بإمكاننا أن نسميه “الأدب العقلاني و ليس معنى ذلك انه تعوزه المعاني العاطفية و العناصر الفردية بل على العكس لطالما حلل الأستاذ حسين الغضبان تحليلا نفسيا دقيقا يفوق أحيانا نظيره في العصر الرومنطيقي قصيدة “التقليلية” : “ ريحانة يا عودك الهفهاف. يا عينيَ الثرثارة يا راسي المحمول. فوق قدم تميل بالهوا”.
هذا إضافة إلى ما كان الشعر الوجداني فيه من فيض الشعور و الإحساس و لكن العواطف و المشاعر كانت خاضعة كل الخضوع للعقل الذي لم يكن ليدع مكانا لجموح العاطفة و جيشانها. فكانت القصائد في هذا الديوان غضبانية غاضبة تتأرجح بين الحب و الواقع ثم تمر في مجال التفكير لتصفي و تهذب فليس للشاعر أن يطلق العنان لإحساسه و مشاعره لأنها في جوهرها فردية محضة بل نراه يسجل منها ما هو عام مشترك بين الناس، كما يقتضيه المنطق و الفكر في ارتباط مباشر بالواقع فتجد القارئ يرى فيها أفكاره حتى ليعتقد انه كان يستطيع تأليفها فالأفكار المشتركة كالإحساسات المشتركة هي أرقى و أروع و أجمل ما يستطيع الكاتب أن يجلوه للناس. ذلك أن الكلمة الأولى للعقل الذي يسيطر على خيال الشاعر و أحلامه. فيزيح الغطاء عن الحب بخيال شاسع مرتبط بعقلانية واقعية مريرة. و في هذا المستوى من الدراسة لديوان “بين ظهور الأقواس” نستنتج جازمين انه “يصعب على غيره التوفيق بين هذه المعادلة (الحب في واقع مرير و الخيال الرائع في حضور العقل).
-فالشعور عند الأستاذ حسين الغضبان ليس نشوة بل هو حاجة، انه ليس قلبا ملتهبا و نفس مسحورة بل هو فما ظمئا و يدا فارغة مبسوطة. هو ابتسامة الطفل و دمعة الثكلى. هو تورد وجنة العذراء و تجعد وجه الشيخ.هو جمال البقاء و بقاء الجمال. فهو قوة حيوية. قوة مبدعة- قوة مندفعة-دائما إلى الأمام- لاتخاف العراقيل. فكل قصائده تؤكد أن الشعر سيبقى حاجة إنسانية من حاجات الإنسان الزوجية لأنه وحده يجسم أحلامه عن الجمال و العدل و الحق و الخير و فيه يرسم الحياة التي تعشقها روحه و لا تراها عيناه و لا تسمعها أذناه بين أقذار العالم و دأبه اليومي و همومه الصغيرة و مشاكله الكبيرة.
و قد صدق الكاتب الكبير ميخائيل نعيمة حين قال: “لا يسعني و لا يسع سواي الإحاطة بجملة المقاييس لأي اثر أدبي أو أديب”.