اشرف قاسم
في ديوانه الجديد “ إطلالة في وجهها “ يقدم لنا الشاعر الرقيق صابر شعبان تجربته الشعورية التي يمتزج فيها الذاتي بالموضوعي ويجرنا معه خلالها إلى دهاليز الأبجدية والخيال في رحلة يفيض فيها الحب والحنين والشجن وأطياف الذكريات ، يدخلنا إلى عالمه الذى نعيش معه خلاله حالته الوجدانية على اعتبار أن المتلقي في نظر الشاعر ليس متفرجاً فقط بل هو شريك في النص
يفتتح الشاعر ديوانه بالإهداء الذى يقول فيه :
هل تعرفون لمن كتبت قصائدى ؟
هى للحياة وللدنا
هى للسماء وللمنى
هى للرجال المتعبين من الحياة وحزنها
هى للنساء جميعهن
هي لي أنا !!
إذن نحن بصدد مبدع ذى رسالة يحاول تحويل لحظة الألم إلى نص مفتوح على الاّخر فى حوار كل بغيته منه الإمساك بتلابيب تلك اللحظة لرصدحالة إنسانية : الشاعر ياقومى نبض
يتردد بين جوانحها
يتفلسف عند ملامحها
يتمنطق قولا عربيا
يتسامى بين حدائقها
ويداه ترقش أثوابا
ويصير ضميرا وكتابا
ويكون الثورة لو تدرى
منقوشا فوق بنادقها
يتكئ صابر شعبان في ديوانه على رصيد هائل من الثقافة المتشعبة والحكايات التي يستمد منها رؤاه فتعينه على التوازن الحياتي :
فلست أخاف من سيافك المغرور
أو من موجك العاتي
ولست أخاف إلا الله
في قولي وإنصاتي
كما أن عنصر الدراما والحوار هو الملمح الأوضح في تجربة صابر شعبان ولعل ذلك يرجع بالأساس إلى اهتمامه بقراءة المسرح فتأتي قصائده عبر لغة مفردة آسرة تحمل أنفعالات الشاعر وثورته النفسية كما يتضح في قصائده “ الأمل الفقير، حديث القمر ، الأميرة الغائبة “ مع عدم أغفال عنصر الصورة وهو ما يلح عليه الشاعر في تجربته إلحاحاً شديداً يصل إلى درجة الوسواس :
في شارع البحر القريب
رأيت مقهى
فيه أحزان البشر
الكل يجلس
ليس في عينيه غير الخوف
أو وجع الضجر
والصمت مثلي تائهٌ
في عمق هذى الكركرة
وعلاوة متأخرة
وعلى اعتبار أن الشاعر هو ضمير الأمة وصوت بيئته لذا تأتي قصائد صابر شعبان حاملة أكواماً من هموم تلك الأمة وبصماتٍ جلية من أثار تلك البيئة التي نشأ فيها ، وهو ما يؤكد لنا أن الذاتية ليست كما يدعي البعض إنكفاءاً على الذات وبعداًعن مضمار الحياة بل هي قراءة متأنية في أسفار “ الآخر “ من خلال كتاب “ الأنا “ إذ أن الأنا في شعر صابر شعبان محاولة لإثبات الذات على ضوء تجارب السابقين وتأصيل لتجربةٍ قد يفيد منها اللاحقون :
أنا الفلاح نبت الأرض من طيني
وغاية ما أريد الآن
أن أبقى على ديني
فليس لعاشق مثلي
سوى أرضٍ ببيت عاش يؤوينى
ثم يقول :
أحب سنابل القمح
وشدو الطير
في الإصباح يشجيني
ثم يقول :
أنا فلاحةٌ
وأبي رقيق الحال سيدنا
بسيط في ملابسه
يحاول أن يعيش العمر
لا يعبأ بما يأتي
أبي الفلاح لامال ولا جاه
ولايبغي من الدنيا
سوى إرضاء مولاه
لشيخ الجامع الشرقي سلمني
برغم الفقر
دبق من بقايا القطن ما يكفي وعلمني
وكان يجوع أياماً ويطعمني
وأمي مثلها مثلي
تحب الخير للخير
وتوصيني على غيرى
ومن هنا نرى أن البعد الإنساني في شعر صابر شعبان هو الركيزة الأساسية التي يتكئ عليها في بناء معمار قصيدته دون إغفال لأى عنصر أخر من عناصر تجربته من صورة ولغة وخيال وموسيقى داخلية وخارجية ،ويتضح هذا الملمح الإنساني بجلاء في قصائده
“ جاء الأمر، الفلاح ، زينب ، أنين الأزمة ، أطياف الذكريات “ إذن نحن بصدد لغة بسيطة يؤطر من خلالها وبحسه الخاص أوجاعاً عامة في شكل حداثي يجمع بين الواقعية والرومانسية نهجاً يسير عليه في محاولاتٍ دؤوب لرصد تلك المشاهد الإنسانية في صور مجزئة يجمع بينها خيط رفيع بإمكاننا أن نسميه “ الهم العام “ أو” أوجاع الجيل “ مع المحافظة على إتساق مدلول الصورة مع مدلول الحرف في إطارٍ مشهدى شفيف :
أخذتني العبرة سيدتي
وأنا أتصفح قصتنا
أتذكر وجه مدينتنا
وأبي “ والليل إذا يغشى “
وإمام المسجد والموت
أطلال بيوت أخلائى
ونداؤك يصرخ وندائى
واللهفة
والمدن الكبرى
تسقط في شتى الأنحاء
وخير مثال لذلك قصيدته “ الخوف الأزرق “
في نهاية الديوان يضع صابر شعبان قصائد أربع من الشعر الكلاسيكى تحت عناوين “ دعوة للحب ، أغنية للوطن ، نشيد الإنتصار ، ابتهال “ ربما جاء ذلك تدليلاً للنقاد وللقراء على قدرته على نظم القصيدة العمودية بلغة رشيقة بعيدة عن التقعر والترهل والإبتذال :
معي من فيض أحلام الهوى قطره
وأدعوكم نولى وجهنا شطره
فهيا الاّن يادنيا نعانقه
نناديه…وننشر بيننا عطره
ولكنى أتساءل:كيف بعد أن أعانق الشئ أناديه ؟
أماقصيدته”إبتهال” فهى من أصدق قصائد الديوان على الإطلاق إذهى مناجاة للذات العلية وليس هذا مقام رياء أونفاق ،فهى كما يقول الأقدمون “ قصيدة مطبوعة “ أما قصيدتي “ أغنية للوطن ، نشيد الإنتصار “ فقد وضعنا في الديوانكى لا يقال عن الشاعر أنه بعيد عن مضمار الشعر الوطني بل أكاد أجزم أنهما كتبتا على
عجل
ختاما أقول :
إن صابر شعبان مبدع دون شك يستحق شعره القراءة والتقييم وباستطاعته أن يكون أحد الأصوات المؤثرة في الحركة
الشعرية .. إن أراد .
وبانتظار تجاربه القادمة التي آمل أن تكون أكثر اكتمالاً ونضجاً .