د.أمل  الأسدي 
في عالم أحمد غراب الشعري   تتبدد التقليدية وتفر   معلنة انسحابها، ففي هذا العالم  يحيا الشعر ويزهر  ويتجلى في شكله الأوفى ( القصيدة العمودية) .. عالم يخلقه شاعرٌ تذوب اللغة في يديه ليشكلها كيف يشاء وأنى يشاء … هذا الشاعر بثقافته وسعة اطلاعه  ورهافته استطاع أن يؤسس مدرسة الحداثة الشعرية، فهو مجدد للقصيدة العمودية على نحو لا مثيل له، وهو من  أثبت إمكانية استثمار البحور الخليلية وكسر قولبتها الجامدة لتكون هذه البحور  بحورا حداثوية .. حافظت على أوزانها واستوعبت الحياة المتطورة في عصرنا هذا.
نعم .. مدرسة أحمد غراب عباءة الشعر التي يجب أن يلوذ بها شعراء اليوم .. مدرسة أحمد غراب ألجمت كل من يدعي موت القصيدة العمودية  وأعلنت  حياتها .. وأقامت صرح جِدتها..فبنية النص الغرابي وخلطتها السحرية قائمة على مواد أولية خام ومنها (البحر الخليلي  ومفردات الشاعر العصرية و قدرته الفنية على خلق صور لا نهائية الإبداع) .. هكذا يخلق شاعرنا نص يمتلك ببساطته اللاعادية وموسيقاه الآسرة يخلق نصاً له  قاعدة جماهيرية عريضة ، فمدرسته حررت الشعر من قيود السوريالية والغموض والتعمية التي جعلت من الشعر محسورا ..منعزلا.. منطوياً .. فراح المتلقي  يسعى الى عالم الرواية والسرد. ويفر من عالم الغموض السائد.. نعم قالها من قبل “ نزار قباني” ونادى بتأميم الشعر العربي من قيود  السوريالية والغموض  .. وها هو الآن “ أحمد غراب “ أسس فعليا لتأميم الشعر .. ولاسيما القصيدة العمودية.
عالم غراب عالم الشجن الشفيف ، عالم الإحساس المرهف ..فتجد فيه المرأة ركيزة أساسية وتجد فيه الوطن ركيزة أخرى ، وتجد فلسفة الشاعر ونظرته الى الحياة والموت  وتجد أثر الأسطورة  وغيرها من مؤثرات ينابيع الشاعر الثقافية،  وكل هذا عبر حركة درامية وتعدد أصوات ، ولغة سهلة وموسيقى هادرة ، وهذا ما جعل شعره محط أنظار الأكاديميين ليدرس شعره دراسات  عديدة ،  وكلما مد الأكاديميون أقلامهم  في ميدان غراب الشعري ينفد مداد  أقلامهم وما تنفذ كلماته الشعرية، وكلما هزّ الشعراء بِجِذْع  نخله يتساقط عليهم شعرا جنيا.. وصورا نَديّة.. أحمد غراب  قدحة نور في جبين  الشعر العربي .. وكنز عذوبة في مكتبة الأدب العربي التي مدها بدواوينه الآتية :
1. الأعاصير 
2. الشاعر و المدينة
3. الملاك الرمادي 
4. نقوش على جدار الصمت 
5. العزف على أوتار الريح 
6. أحزان الرماد 
6. الأعمال الكاملة
7.موسيقى الشعر علم العروض و القوافي ( دراسة ) 
إن  من يطلع على نصوص شاعرنا يشعر بقوة  تأثيرها  وسحرها المتأتي من امتزاج موسيقى النص ( الخارجية والداخلية)  مع معجم الشاعر الحديث ، مع قدرته التصويرية، وهكذا يمسك الشاعر بالموروث والحداثة ليمدنا بإبداعه المتفرد ومن ذلك :
لأني أحبك أحببت ذاتي
وسامحت فيك خطايا البشر
ومنك تعلمت كيف أذوب
وأدخل بين الندى والشجر
وكيف أكون قصيدة شعر
مسافرة في حنايا وتر
وكيف أضيع كخيط يتيم
من  العطر في أمسيات السهر
وكيف أفر كنورس ماء
وراء السفائن في كل نهر
وفِي نص آخر يقول:
لو كنت أقدر أن أصارحها الهوى
 لهتفت قلبي ماأحب سواكِ
لكن أشعاري   وكل  كتابتي
مرصودة منذ اعتنقت هواك
كل الحروف  إليكِ منكِ فحاولي
أن. تسمعيني  من خلال صداك
وفِي قصيدته “ الرمادية “ تسرح في عالمٍ رؤيوي  درامي خاص بفلسفة الشاعر ونظرته الى الحياة والموت :
( لا يوجد موت هناك 
ليس ثمة موت .. و إنما تبديل عوالم )
أنا هنا بين أكفاني أصيخ إلى 
قوافل الريح تعدو فوق مقبرتي 
أشم بالظن ألوان النهار كما
 كانت تشم مخاض السحب أوديتي
أرنو صهيل الثواني كلما انكسرت
 سيقانها و ارتمت صرعى كأزمنتي
مازلت أملك إحساسي كموقدة 
ماتت و فيها حوار النار لم يمت
عام و شد صقيع الموت خيمته 
في أضلعي و تمطى الملح في رئتي
عامان و احترق المرجان و ارتحلت 
في ذكريات الثرى خلجان أوردتي 
* * *
لا تعصري غيمة الذكرى على كفني 
عصارة الغيم تدمي اليوم أتربتي
أبغي رقادا دخانيا بلا قلق
 فكم ركضت طويلا خلف أدخنتي 
و كم صلبت العشايا من جدائلها
 على رموشي فكان السهد معصيتي
* * *
كهودج من غبار عشت منطلقا
 خلف القصيدة في وديان أخيلتي 
أطارد الكلمة العذراء ممتطيا 
أصابعي راحلا في جوف محبرتي
مسافرا داخلي سعيا بلا أمل 
عن الرؤى في سراديبي و أقبيتي
مهاجرا كطيور الحقل من بلد 
جوعى إلى بلد ظمأى بجمجمتي
و كان دربي رماديا و خارطتي
 غيمية و ضباب الوهم أمتعتي
* * *
و الآن أدري كما تدرين زائرتي
 أني بنيت على الكثبان مملكتي
و أن كل حدودي لم تكن أبدا 
غير المسافة من صوتي لحنجرتي
فلا تكوني أعاصيرا معربدة
 تغتال نوم الشظايا تحت أغطيتي
فللشظايا أحاسيس لها لغة
 و وهوهات الشظايا لم تكن لغتي
باقات أزهارك الحمراء توجعني
 عطورها و أنا مغمى بشرنقتي
أمتص غيبوبة زرقاء أخيلة 
صفراء لون بقايا البوح في شفتي
عريان من بعد ما باعت مواطنها 
ملامحي و تداعت كل أقنعتي
أغفو على ملح أشلائي كأمسية 
مصلوبة فوق أقمار مشوهة
أصبحت أكذوبة بلهاء لا تسلي
 فيم ارتخى دونها إعصار سخريتي
جفت نهور شعوري و انطوى زمن 
كانت تؤرق فيه القبر وسوستي
و ها أنا رحلة سوداء في أبد 
أعمى أنا فيه مرساتي و أشرعتي
* * *
أهكذا الموت؟! ماذا تسألين؟ 
سدى تراودين اللظى في ثلج موقدتي
الموت أسئلة حيرى فلا تثبي 
أسوار صمتي فقد تشجيك أجوبتي
عودي لأجوائك البللور نورستي 
لن تستعيد حنين الريح أجنحتي
إرمي و راءك مأساتي بلا أسف 
و لتغمسي في دم النسيان ملحمتي
* * *
قيامتي أنت لكني بلا شبق 
للمعجزات بعاهاتي و أوبئتي
لن ترتديني فقومي عن رماد دمي 
و لا تمري شعاعا في مخيلتي
فحين تأتينني تنساب في أرق 
من عنكبوتية الإغماء ذاكرتي
و أغتلي مثل أحزان البنفسج في 
صمت و أحلم لو ضمتك أذرعتي
نعم أحبك حبا لا ضفاف له 
قصيدة كنت أم ريحا على شفتي
لكن لقياك تبقى دائما 
و ترا لا تشرئــب له أعناق أغنيتي
فالأرض واقفة عندي بلا زمن
 و كسر صمت الثواني فوق مقدرتي
فلتتركيني بقبري كوم أبخرة
 لا تعرف الريح عنوانا لأبخرتي
ردي إلي النعاس المستحيل أنا
 غمامة لا تطيق البرق سيدتي 
 ولو وقفنا على الخصائص  الأسلوبية لهذه القصيدة لغرفنا ما شئنا من تقاسيم إبداعية على صعيد الصوت والتركيب والصورة ، وهذا غيض من فيض ..
هذا ماتيسر ذكره  هنا عن شاعر سامق .. باسق جذوره تمتد في أرض العراق .. وساقه تعلو في مصر الكنانة..
إنه أحمد غراب .. فمن يسأل عمن يحيي العمود وقد صار رميما .. قل يحييه  الذي  صاغ الكلم وكساه حداثة وتجديدا .. قل هو من طوّع اللغة ليخلق منها قصائد تفيض عذوبة وحنينا . إنه أحمد غراب .

التعليقات معطلة