سعدون شفيق سعيد
فجأة .. اوجدني الشاعر مؤيد عبد الزهرة مسكونا بالحب الذي ينتمي اليه .. فهو تارة ذاك الذي يلوذ بمحراب حبه وبخضوع مابعده خشوع وتارة نراه متصوفا في زمن اللاحب .. ولكنه وبقدسيه الصدق مع النفس يفصح لنا بأن الحب هو : ( دين الله ) الذي زرعه في قلوبنا جل وعلا .. ولذا وجب علينا المحافظة عليه بكوننا من البشر .. ولكن الذي يشدني لديوانه الشعري الموسوم : ( على جناح الشوقاتيك ) انه قد اهدى تلك النصوص للتي امطرته شلالا من العشق قي زمن الصدود .. تلك التي اهدته عطر انفاسها .. وكأنها تلك الانثى القادمة من سماوات القلب .. كزهرة نقية .. ولولاها ماكان للحياة من مذاق .
والحقيقة التي لابد ان تقال ان ( الاهداء ) الذي تصدر ديوانه و ( الاضاءة ) التي جعل منها مقدمة لقصائده والتي لاتخلو من التصوف الى جانب كل ذلك ( التواضع الخجول ) كونه لم يبلغ شيئا من قامة الشعراء .. و ( اقراره ) كونه يكتب بنبض القلب حين يهفوا بعيدا عن اي قيد .. هو الذي جعلنا نشد الرحال بأجنحتنا لنحط عند ( اجنحة الشوق ) التي اختارها شاعرنا لنكون عند سيرة حب هي هبة من هبات الله .. والتي لولاها لكانت حياته وحياتنا صحراء قاحلة تذروها رياح اليأس .. وتعصف بها احزان الكأبة .
لكن شاعرنا يستميحنا عذرنا هنيهة من الزمن بأن لا نشهد الرحال ليدعونا لقراءة ما تبقى من تلك ( الاضاءة ) وكأنه يريدنا ان نسرح وقتا اخر مع افكاره التي تبناها عن الحب .. كي يقول لنا :
( الحب عنوان سلام – الحب نور القلب – الحب مفتاح المحبة – وبالحب ندفن احقاداَ – وبالحب نقرب قلوباً – وبالحب نتجاوز مرارات )
ثم تأني أمنيات شاعرنا الإنسان ومنها ان يبقى الحب حلما .. كي يعمر الصدور .. لكونه ليس مقامرة ولا مغامرة .. ولا تسويق مشاعر .. وانما هو هندسة الروح للوجود .. تألفا وائتلافا حقيقيا ..
ثم تصل بنا ( الاضاءة ) لتقول ايضا :
( الحب حين يطرق الباب .. يلون الحياة .. بكل الوان قوس قزح )
وما ان تنتهي تلك ( الاضاءة ) التي اجبرنا شاعرنا الوقوف عندها بعضا من الوقت .. كي يفتح لنا الاجواء الرحبة لنحلق معه ومع اجنحة الشوق مابين قصيدة واخرى وكأننا نطوف على اجنحة فراشات عاشقة وسط اريج الزهور .. وليجعلنا وجها لوجه امام لآلئ ثملة بالحب والشوق .. حيث المناجاة والصمت والحنين والانتظار والعتاب واليأس والوجع والهجر وحتى الاماني والاحلام .
وما ان نكون عند قصيدته المسماة : ( على جناح الشوق اتيك ) حتى نجد انفسنا وبحق امام لوحة شعرية تعبيرية رسمها شاعرنا بريشته لتشع فيها الروح بكل ذاك الضياء .. والقلب لم يزل ينبض ليجيء مراقصا السحاب .. وهو يقفز من غيمة لغيمة حبلى بالمطر .. وليقول لحبيبته انه قادم لها .. كقبلة على شكل مطر .. وعليها ان تنتظره .. لانه لابد ان يلاقيها في يوم من الايام ومهما طال الدرب .
ثم تترى قصائده الاخرى لتشكل عقودا من اللآلئ الشعرية المكنونة بالعشق .. وكأنها تريد نثر كل ما احتوته من عشق في دروب العاشقين الملأى بالمعاناة والمناجاة .. ولتكون ضياءاً لهم كضياء الروح .
والحقيقة التي لابد ان تقال ان شاعرنا مؤيد عبد الزهرة اراد لنا ان نتنفس الحب والعشق لمناجاة الحبيبة من خلال تغريدات .. تارة تعزف على الصمت … وتارة تحلق مع رايات الفرح واجنحة الاحلام .. وبكل ذلك الحنين والظمأ .. ليكبر فينا الشوق قمرا وانتظارا حتى اللقاء .
لكنه حين يكون في عتمة الخوف .. وعند زمن الخديعة واليأس نجده يخاطب الوجع .. يقسم في حضرة الوطن بـ ( شفتيها ) بأن للحق اجنحة تحلق عاليا .. وللحرب انفاس لاستعادة الحياة .. ولكن الهواجس لا زالت بئراً .. والجلاد لم يزل قلبه مليئا بالاحقاد .. ووسط كل ذلك هنالك دين في الاعناق لابد من تسديده مهما طال الزمان ام قصر !!
واستكمالا للوحته الشعرية نجد شاعرنا يأخذنا عند ذلك الغول المسمى : ( الجوع ) الذي يبعث في الوطن خرابا و اوجاعا .. وارامل بلا زاد . ومعاقون بلا جدار .. واطفال بلا طفولة .. ودم ودموع بلا مدى .. واوحال تلوث الحياة !!
وفي خضم تلك الحقيقية السوداوية لا ينسى شاعرنا ( غيرة ) حبيبته والتي تغار من كلمة تقال .. والتي تفتش جلده لتشتم عطره .. ثم تبكي قائلة له :
( احبك حبيبي ) !!
حقا لقد كانت لواعج شاعرنا حري وزاخرة بالحب داخل اطار من الحب والشوق .. كونه ذاك العاشق الذي يؤمن بصدق الحب لانه ( دين الله ) .. ولهذا جاءت قصائده بعيدة عن ( قصائد النثر ) لكونها قصائد يحق لشاعرنا ان يعلقها بين مصافي معلقات الاخرين من الشعراء .. وفي زمن يحتاج لمثل تلك المعلقات التي ولى زمنها .. ولكونها زاخرة بالصور الشعرية المتجددة التي تقترب من التصوف المشدود لالهة الحب :
( يا انت
حبنا خلع اضراس الخوف
حطم فك الزمان
وغادر الخرافة
بجناحين من الورد
فجرا جديدا )
ثم تأتي استعارته باستهلالية اكثر رمزية قائلا :
( يا هذا طهوت ساعات النهار
جمر انتظار
اترقب اطلالتك البهية
عطر الغابات السماوية
فراشة عطشى لأنفاس الحياة )
والحقيقة التي لابد ان تقال :
ان شاعرنا الذي قدم نفسه بكل ذلك التواضع كونه لم يبلغ قامة الشعراء .. نجده يثبت لنا انه يمتلك قامة عالية تجعله في مصاف الشعراء .. كونه جعلنا في حالة من الابهار .. بدءاً من اختياره الموفق لعنوان ديوانه : ( على جناح الشوق اتيك ) ومرورا بـ ( الاهداء ) الذي جاء هو الاخر قطعة شعرية تفوقت على الكثير من الاهداءات التي قرأناها لشعراء اخرين .. وكذا الحال بالنسبة لـ ( الاضاءة ) التي استهل بها ديوانه والتي جاءت هي الأخرى وكانها لوحة مزدانة بالعشق الصوفي حينما طلب منا ان نحفظ ذلك الحب كونه : ( دين الله ) ومن تلك الصور الشعرية الصوفية الروحانية :
هي شتلة في حديقة الله ..
حين اراها ارى الوطن
بعيون الملائكة محروسا
وحين لا اراها لا ارى الدنيا
وحين تبتسم تمنح
الوجود بركاته
وحين تحزن
يغير النهر مجراه !!
وختاما وفجأة لايدعنا شاعرنا غارقين في الحب وعند نشوة العشق واللامبالاة .. ليضعنا امام صورة شعرية تنزف دما وقهرا والما وحزنا وحتى عند دموع قد لا تجف ابد الدهر .. عندما نزعت الشياطين اصفادها في تلك الليلة وجالت في ( الكرادة ) لتقتل الفرح والبراءة شر قتلة :
( كانت تنتظره يوماً ..
يوما
متى يشب ويكبر
الموت المفخخ كان اكبر
..
كلما نثرت الريح
بعض رمادهم
عانقت الملائكة ارواحهم !! )