عامر الساعدي
لم يبق لي شيئاً آخر أغضب عليه ، مُزق قلبي بسبب ريح مسعورة ، وصار أضحية ، ورحت أجول الصحاري بحثا عن معبد في ثغر الرمال ، الشمس تأكل تفاحتي خدي دون استئذان ، وتلك الافعى المجلجلة تمرح على جسدي بأنانية دون عينين ، دون أن تنظر للوراء ، تكتم صوتها بلعاب السم ، فأقراء في المراثي كيف تتساقط الدموع ، من خطيئة الحزن، بوحشة تتسلل عبر الشبابيك ، الأغاني القديمة وبعض ذكريات تكفي أن تكون رسول سلام يعزف ناي لأطفال يخرجون من شجرة شاهقة اليأس .
لأستنشق عبير قهوتي لابد أن أضع بعض الملح في ثغر الفنجان ، أضع قدميّ وأنا مسترخيا أتخيل بعض الاماني لعلها تمرّ كخراف الحلم ، هكذا تعودت أن أذبح كل يوم آلهة الغرام قربانا ، أو اتحول إلى هيئة صعلوك لا يبالي .
الامواج الناعمة ترسل الخرافات للصيادين ، ترسل حوريات وثمة طفل يبحث عن حذائه بين الطرقات ، يبتكر ألف عذر كي يلون أصابعه قبل أن يصل ، الشمس تشرق ، رمادية من أول الصباح ، تسأل الاشجار عن الفؤوس ، تسأل الاقدام عن رطوبة الأرصفة، ورائحة الموتى تعبق بالتوابيت ، ونحن نوزع الاكفان الملونة ، بأسئلة كثيرة لكنها معقدة ، هذا ما قاله الطفل الاسمر ، بلسان ملتهب ، وهو يمسح أحذية القادة الذين ارتدوا معاطف داكنة ، معطرة بدخان المجنزرات ، التي عبرت الساتر ، بأغان حزينة جدا مكتوبة بعد خذلان المعركة ، الاصابع التي كانت تنوي رفع العلم ذبحت عنوة بمساعدة السكاكين .
زارني الليل كي يشرب القهوة معي ، ليحدثني عن صبية شعرها ناعما ، كأمواج البحر ، عن شفتيها كيف تصفق حينما تبتسم ، عن أسنانها وهي تقضم سندويش الهمبر كر عن لسانها وهو يتذوق نكهة الاسبوع ، اما فمها يخبئ اغاني بين حبالها الصوتية ، تعودت أن لا أنظر للوراء ، اواصل السير منتشيا في النهار ، والليل يلبسني كوفية حمراء تغطي كل ، ملامح الشيب ، اتبع صهيل المطر على الطرقات ، أظن كل قطرة مهرة ، لكنها جموح.