عبد الرحمن عناد وناس
في كل دول العالم التي تحترم تراثها المتنوع ، ومنه ذلك الذي يتعلق بمن تميز عندها ، فتحفظ مقتنياتهم الشخصية ، وما كانوا يستخدمون من أدوات ، وما تركوا من مخطوطات ورسائل وغيرها ، ان لم يكن في متاحف خاصة بهم ، واكثرها شيوعا تحويل بيوتهم الى متاحف بأسمائهم ، فأنها تحفظها في المكتبات الوطنية الكبرى بأقسام خاصة بهم ، مع معلومات وافية عن هؤلاء المبدعين تخليدا لذكراهم ووفاءا لهم ، وتعريفا للأجيال اللاحقة بهم .
عندنا يموت المبدعون بصمت ، بعد ان عاشوا الكفاف والإهمال ، ولا يحظون إلا بجنازة متواضعة وذكر ليومين او ثلاثة ، في الأوساط الثقافية والعلمية ووسائل الاعلام ويسدل الستار عليهم الى الأبد ، فلا يعرف احد عنهم إلا القليل ، كيف عاشوا ؟ كيف كانوا يبدعون ؟ ما الأشياء الخاصة بهم واللصيقة بحياتهم اليومية ؟ باعتبار ان كل ذلك هو جزء من التراث الابداعي للوطن الذي ينتمون اليه ، وان من مات من هؤلاء كان يعيش وسط الناس ويقدم لهم إبداعه ، بما يفيدهم ويمتعهم ، ويضيف للتراث الوطني ، لذا فليس من السهولة ان يختفي من الذاكرة الجمعية بمجرد موته وزواله الجسدي ، فلا يكون له بعدها حضور او ذكر ، حيث ينقطع حبل التواصل بينه وبين من سيأتون بعده من ناس يفترض ان يعرفوا مبدعيهم ، وهذا من حق الطرفين .
ويبدو للأسف ان هذه الحالة السلبية لاتخص العراق وحده ، وإنما هي عربية بامتياز ، وعدا حالات قليلة من إقامة متاحف او أقسام خاصة بمبدعين راحلين ، ومنها متحف محمود درويش في فلسطين ، فأن بقية المبدعين يعانون من الإهمال ، وفقدان منازلهم ومقتنياتهم الشخصية ، وانقطاع كل ذكر مادي لهم ، فتضيع مقتنياتهم الشخصية ، وتباع منازلهم لتحول الى أسواق ، بل وتحول الى مجمع للنفايات كما حصل لمنزل سيد درويش في الإسكندرية .
وقد دفع هذا الأمر مجموعة من المثقفين المصريين ، قبل سنوات قليلة ، الى توقيع بيان مطالبين فيه الحكومة بإقامة متحف تجمع فيه مقتنيات مبدعي مصر ، ومن الواضح أنهم لم يطالبوا بمتاحف خاصة بكل مبدع ، إدراكا منهم لصعوبة ذلك ، حتى ان بعضهم تساءل بمرارة : اين نظارة طه حسين السوداء ، وبيرية توفيق الحكيم ،وعكازة نجيب محفوظ ، ومنديل ام كلثوم ، وعود محمد عبدالوهاب ؟
وللحقيقة فانه سبق لاتحاد الأدباء في العراق ان طالب بتحويل بيوت المبدعين الى متاحف ، كما ان وزارة الثقافة ، وضمن الاستعدادات لتكون بغداد عاصمة الثقافة العربية عام ٢٠١٣ ، طالبت بتحويل منازل الشعراء والأدباء والفنانين الرواد ، الى متاحف ومراكز ثقافية ، وهو مطلب يفترض ان يشمل من جاء بعدهم . ان المطالبات والمقترحات ليست كافية بذاتها ، وان عبرت عن إخلاص ونوايا طيبة ، ان لم يتم تبنيها من الجهات المسؤولة ، وان تبذل الجهود والأموال لتحويلها الى واقع فعلي ، وهي خطوة تؤكد احترام المبدع وحفظ ذكراه .

