دراسة نقدية للاديب اليمني الغربي عمران
الجزء الثاني
التي تنسال بصدق فني يدفع بالقارئ إلى التعاطف معها .. ولذلك جاءت الراوية بأروع قدراتها كأنثى وأم ثم كعاشقة في الفصل الأخير من الرواية .. وأن خفتت روعة اللغة في أجزاء من الرواية.. لتتحول إلى استقراء تقريري للأحداث .. وذلك متى ابتعدت عن تذكيرنا بأنه تحكي لجنينها .. أو أبتعدت عن وصف مشاعرها العاطفية.. لتعود بجزالة لغوية تقدم لنا تلك الإمكانيات الأسلوبية في ثراء ما تمتلكه من لغة وما تستطيع تشكيلها في جمل قصيرة ذات صور مدهشة حين تعاود مناجاة جنينها “ يا مضغة تسكن رحمي دون إرادة مني.. تعلقت في ماعوني “ هنا يمكن أن يستشعر ويستنتج القارئ بأن تلك المضغة لم تأتي إلا من لحظات حب خارجة عن المألوف.. لتسارع بالتبرير له عن ضعف الكائن البشري إزاء العشق “فالشبق حين يدرك أجسادنا يصبح لنا دلالة شعورية غير اكتمال الوهج الذي يعتلي متون المشاعر… تتعرى صناجة المشاعر حين تداعب خيوطها هفيف كلمة من شخص يجيد طرق الأواني الفارغة فتصم من هول دوامة الضجيج وارتعاش جوفها الضامئ الذي يحرر شهقاته في كهف الرغبة وفي لحظة اليقين ينهر فحيح تنهيدة العابث “ ثم تحاول أن تستسمحه العذر لأن يسمعها وهي تناجيه بلغة غير تلك اللغة التي تسرد أحداث الرواية “لا تغضب مني يانبتي الذي ارتوى به جدبي..
اعترف لك الآن بمشاركتي في الفعل.. ولكني سأكمل اعترافي باني لم أسعى يوما لتلتقط أحشائي بك.. ربما لو عرفت انك ستدخل مداري وتتشبث بي.. ربما حاولت الفرار من ضعفي ومن شبقي اللعين…”
وهكذا تأخذنا إلى ماضي عمرها بادئة بطفولتها الأولى .. ثم استشهاد أبيها في الحرب .. ولجوء أمها للخدمة في بيوت الميسورين من أجل توفير لقمة العيش ومصاريف المدارس لأبنائها مصطفى ومحمود وأحمد وايمان الراوية.. .. وحين تسرد تلك الأحداث ينسى القارئ تلك المضغة حتى إذا اقتربت الكاتبة من نهاية أحد الفصول تعود لتناغيه مذكرة بأنها إنما تحكي لروح أحشائها.
وما أن تبتعد عن مناغاته حتى تقترب من لغة المقالة الصحفية عن أحوال الأسرة ودراسة الأولاد ومعاناة الأم .. ودخول الأولاد الجامعات ومرحلة التخرج الزواج.. إلى أحداث غزو العراق للكويت وأثر ذلك على المجتمع المصري من المغتربين والمحاربين .
لتعود زافة فرحتها إلى جنينها بتلك اللغة الجزلة “صغيري لن أنسى ما حييت فرحة التحاقي بكلية الإعلام..مازلت أسمع دوي الزغاريد وأنا في حضن أمي الباكية “
وهنا لا تختص تلك اللغة الشاعرية ما تناجي به جنينها لتظهر مع النبض الأول لقلبها وظهور الأستاذ هشام في حياتها الجامعية لتعود لتلك اللغة الشاعرية الشفيفة “من جديد الملم نظراتي المشدوهة أحاول جذب الكلمات من أعماق كياني المرتجف “
ومن خلال تلك العاطفة التي تحركت تجاه الأستاذ هشام وذلك الانكسار الأول لقلبها حين اختفى من حياتها.. “صغيري أرأيت لم أهنا بشيء حتى تلك اللحظات التي اعتقدت أن يد القدر تمنح بعض الفتات للروح الهائمة خلف غلالة الحلم لم تلبث أن تكشف نزق الخط الواصل بينها وبين انعكاس اللحظة في مرآة الواقع”
هنا يحضر العنوان “أيام بلا حب” وهي بداية إيمان في أيام من عذاب القلب .. حتى ترشح لها أمها صلاح ابن جارتهم وتتزوجه على مضض وتخلف بنت .. وهي تعيش جفاف عاطفي مع زوج لا يشعر بها ولا يعرف مناغاة نوابض مشاعرها .
بعد ذلك تسير الكاتبة بالقارئ لعدة فصول دون ذكر لصغيرها وأجد نفسي باحثا عن تلك اللغة الشعرية التي أضحت تأتي بشكل متباعد “صغيري هل تراني أم جريئة وهي تكشف سطورا من أيامها وتستطرد مشاعر حبها الأول بلا تردد ولكني صدقا لا أجد حرجا في شيء فالأيام تمنحنا بلا اختيارنا جعبة من الخيوط بألوان مختلفة”
وتأتي النهاية عاصفة بلغة لاهثة وصور شعرية باذخة حين تلتقي إيمان بشاعرها الأثير بعد سنوات من الفراق في مؤتمر أدبي .. تقابله وجها لوجه.. لتعود إلى بيتها معبرة بصور رائعة “ مزقت عني شرنقة الوحدة لكن سعادتي مجرد قصور رمال ستغرقها دمامة الواقع” وفي أول لقاء يجمعها به بعد عدة أشهر “لم اعد اسمع داخل وريدي دبيب الوحدة .. فنحن نتشارك الحرف الخالي من الشوك ..الجرح المندثر تحت الجلد تركته وخلفته لديه روح لأعاني الغربة دونه.. يتواتر ارتعاش حوائط المدينة تهتز تميمتي المدلاة في عنق الأسطورة العقيمة ..لا تتناسل إلا العدم.. لم تنبت إلا عشقا واحدا..وحيم مزقت حبلك السري عن جذورها أجهضت كل المواقيت ..كل الحروف تراود العمر أن يسري بعرقه دم اللحظة ..لكنه يأنف أن يجتزئ من الشجرة المحرمة بنبض غيرك…”
وتأتي الأقدار لتنتدب إيمان لتغطية مؤتمر أدبي في دولة عربية.. وحين تنشغل بترتيبات السفر تكتشف أن شاعرها الأثير هو ضمن المشاركين.. ويخبرها بأنه من رشحها كي يلتقيا بعيدا بعيدا.. وكما جاء في الغلاف الأخير للرواية وهو مقطع من نهاية الرواية .. لغة مفعمة بالعاطفة الجياشة التي استطاعت الكاتبة في لحظات لقيا الحبيب وانفرادها به.. بعيدا عين الوطن والعيون المتربصة.. أن تجمع أجمل جواهرها لتزين لنا سجادا عجمي غاية في المتعة حين صاغت “ لم أشعر كيف اقتربت أنفاسه من وجهي حين التفت نحوي ليرى انعكاس القمر في عيني.. شعرت بخدر في أطرافي ودفئ يستبد بجسدي.. ترتعش شفتاي تطلبان أن تعانقا كلمة حب مطوية على شفتيه.. يقترب..يلف ذراعه حول خصري..دفئ أنفاسه يلفح وجنتي.. تتسلل ارتعاشه على جيدي.. تنهار كل مقاومة لي.. بل لم أبد أي مقاومة.. أغمضت عيني ..يترك كلمة على شفتي المرتجفة.. أجدت تفسيرها وأسهبت في الشرح.. كل كياني ينتفض يريد المزيد.. أصدر حروف قصيرة لم أعهدها.. أسترح صداها..آهة.. يملك لغة أجاد بها فك طلاسم الجسد الرافض للاحتواء .. امتثلت لرغبة لم تنقر كياني من ذي قبل…”
لتنتهي الرواية دون مناجاة لذلك الجنين .. الذي اوحت الساردة بأنه كان ثمرة لذلك اللقاء .. لتستعيض عن مناجاته بمناجاة الحبيب ضمنيا بتلك اللغة الشعرية العبقة بروح العشق المحروم .
تمتلك الكاتبة ناصية السرد .. وكلما اقتربت من لغة القلب والعاطفة تأججت المعاني .. وحين تبتعد يتحول سردها إلى سرد تقريري.
ولذلك ركزت في مقاربتي هذه على الجوانب المميزة والأكثر إدهاش .. وهي اللغة الشعرية وتراكيب الجمل بشكل مغاير.
وتبقى أمر غاية في الأهمية يتلخص في أن الرواية حين أنهتها الكاتبة .. كانت هناك رواية بادئة ..من أيام ملؤها الحب بين هشام وإيمان ..حيث أن الروائية كانت قد بدأت بالإثارة الحقة حين سافرا معا .. ومن لقيا السفر تبدأ مغامرة السرد الشيق.

