حاوره قاسم وداي الربيعي
كريم الحمد الإنسان الذي درس الهندسة وتخرج منها إلا أن هاجسه الأول هو الفن والشعر لم يمنعه عمله الوظيفي من أن يبدع في النحت والشعر بل كان يقضي الكثير من وقته بين الطين والأبجدية . له ثقافة نحتية هائلة وهذا ما تعلمه من الرواد الذي تأثر بهم كثيرا . صحيح أنه يعمل بصمتٍ شديد وبعيد أيضا عن الإعلام لكنه أستطاع أن يصنع لذاته العديد من المنجزات الفنية . كتب الشعر النثري فصنع له تجربة جميلة منحته العديد من المشاركات , يستمدُ ثقافته وصوره الشعرية من جذوره الميسانية فتراه يتغنى بسومر كثيرا وهذا ما يميزه في أعماله .. حين التقيت به وجدته مركبا من الحزن وذاكرة لم تستطع المدينة أن تغير جلده بل ما زال يصنع المواويل ويداعب الأرض ..تحدث للمستقبل العراقي وكان ضيفا أنيقا
_ ما هي العلاقة بين فن النحت والشعر والهندسة
هناك علاقة وثيقة بين الهندسة والعلوم والأخرى والفن فجميعها لها دور جوهري بالتحولات الثقافية والسياسية للمجتمع وتخدم قضاياه، والفن يشكل عنصراً مهماً من عناصر البناء الحضاري والثقافي والفكري عبر التاريخ .والثقافة لدى الفنان هي من تعزز وعيه فيكون أكثر قربا في معالجة قضايا مجتمعه بما ينعكس إيجابا على إبداعه ،فالفن والثقافة إلى جانب والعلوم الأخرى تسهم جميعا في صناعة الوعي والفكر، وتحرر الإنسان من تخلفه وجهله والأسوار التي تحيط بعقله وفكره وتربيته.
_ دور الفنان في صنع الحياة دور مهم هل أنت تحاول صنع الجمال الذي صنعه الرواد في الأزمنة الجميلة
الفنان والمثقف متمرد بمواقفه تجاه قضايا شعبه لقد تدفعه رسالته الإنسانية والوطنية للنهوض بالواقع من خلال التشخيص والمعالجة وبذلك يكون للفنان دوراً أساسيا في تحفيز و رفع الروح المعنوية للناس في مجتمعه، وهو خط الدفاع الحقيقي عن المجتمع عبر تأثيره في الإنسان ومساهمته في صوغ وعي مختلف ورسم آفاق جديدة، فالفنان الحقيقي يقرأ الواقع بدقة من دون الركون إلى الفكر الجامد، مع التركيز على أهمية الإنسان و مركزيته في الفن كموضوع وهدف.فالصعوبة لا تكمن في المنجز الفني النحتي، بمعزل عن البيئات الاجتماعية الثقافية فحسب، بل بالعثور على علاقة تسمح للفن أن لا يكون سطحا ًـ بمعنى بنية فوقية كالأصوات، والشعارات ـ بل جزءا ً محركا ً للإسهام ببناء تصوّرات متقدمة، مقارنة بما يحدث في العالم الحديث.
_ المرأة شاغلت الشعراء والفنانيين أين كريم الحمد منها وهل تناولتها في أعمالك
— المرأة ديمومة الحياة الإنسانية محرضة للخيال وملهمة له ولذلك تجدها حاضرة بقوة في أعمالي تارة متخيلة أو تارة على شكل أسطورة أو بطلة تحمل أفكاري, فكانت دائماً تحمل في طياتها تاريخاً وحضارة، و المرأة هي عامل تعبيري للخصب والولادة والأرض.
_ كيف هو المشهد الفني “ النحت “ في العراق اليوم بعد رحيل كبار الفنانيين العراقيين وكيف تقرءاه
الجيل الأول من رواد النحت في العراق، تلقوا دراساتهم في الدول الأوربية، في فترة ذروة الحداثة هناك، ولذلك عكست إعمالهم الخلاصات التراثية والبيئية والحضارية والفكرية العراقية ممتزجة بثقافات تلك البلدان فأصبحت هناك محصلة يتجاذب أطرافها طرفي الثقافة وحورها الفنان العراقي فمنهم من بقي بتجربته العراقية الخالصة المستوعبة للإرث الحضاري العميق ومنهم من التجئ لمعظم التيارات الثقافية والفنية العالمية،كما وأن لهؤلاء النحاتين دوراً بارزاً في أظهار طبيعة الفن العراقي المعاصر وتحديد مساره الفني،
أما اليوم المشهد التشكيلي العراقي عموما والنحت بشكل خاص يعاني من معوقات كثيرة بعضها مرتبط بالواقع المحيط بالفنان والبعض الأخر بالفنان نفسه ففي ظل التحولات السياسية التي شهدها العراق والظروف الداخلية والخارجية المحيطة به كان لها الأثر الكبير على ضبابية المشهد الفني بشكل عام فالفنان والمثقف يؤثر ويتأثر بما يحيط به فقد عانى كثيرا في السنوات الأخيرة بسبب وضع البلد غير المستقر، مما دفع العديد من الفنانين إلى الهجرة لينعكس ذلك سلبا على الحركة التشكيلية عموما وغياب المشاركات عبر إقامة معارض دولية تجعل الفنان يطلع على تجارب الدول الأخرى، بينما اختفت اليوم المعارض العربية والدولية المشتركة في العراق
_ بماذا يتميز النحت عن باقي الفنون التشكيلية؟
النحت هذا الفن بالتحديد بسبب صلابته وتحمله مشقة الانتقال من مكان إلى أخر ومقاومته للظروف والاندثار بفعل الزمن أسهم في التعرف على الحضارات القديمة اذ لم يمارس الرسم بكثرة باستثناء بعض الجداريات التزيينية في الوقت الذي عثر على النحت بوفرة وتسنى الاطلاع عليه في كل متاحف العالم وإذا استثنينا الفخار، يعد النحت العنصر الأهم في انتشار الأساليب في العصور الحديثة، بفضل قدرته على مقاومة الدمار مقارنة بالفنون الأخرى، فمثلاً لو لا الشواهد التاريخية لحضارة ما بين النهرين واللقى الأثرية من رقيمات وأختام لما أمكن التعرف على درجة وعي ذلك الإنسان ودراسة الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة به.
_ ما الذي يشغلك وأنت صانع الجمال في أزمنة لا تجيد صنع اللحن وسط ركام الحروب والجثامين
الذي يشغلني هو بلدي الذي يتعرض إلى هجمات بربرية وإرهابية تريد النيل من تاريخه لتستأصله من عمقه الحضاري والإنساني وواجب الفنان والمثقف أن يكون جزءا من المصدات التي تبعد عنه الهجمات والتحديات، فعندما يستحضر الفنان ما أحدثه الإنسان العراقي عبر التاريخ من فعل كبير في خلق قواعد حضارية يستمد منها إبداعا اقوي من التحدي، يحول الحزن إلى فرح، والخراب إلى بناء، واليأس إلى آمال، والأحلام إلى حقيقة والحروب إلى انتصار والجثامين إلى تضحيات تخلدها الأجيال.
ما يشغلني أن هذه الأرض. ..لا تجيد فطامنا كلما منحناها إشعارنا. .. استباحت دمنا. ..وأرضعتنا حليب الرفض ما أن تنتهي حرب. ..حتى أشعلت من رمادها حرب أخرى فمتى تعلن فطامنا… متى نشهد نهاية الحرب. ..لنعثر على وطن من بين الأنقاض.
_ كريم الحمد النحات والشاعر فأيهما أقرب إلى نفسك وأنا أرى فيك تجربة شعرية جميلة
أنا اقرب إلى النحت لأنني أجد فيه الحرية ويعبر عن مكنونات نفسي وذاتي والطين أكثر طواعية لترجمة انفعالاتي، أما عن الشعر فنتاجي قليل جداً ولم تنضج تجربتي بعد كما أنني اهرب إلى النحت أحيانا حين يعجز الحرف عن التعبير أو الحالة أو الانفعال ، ولهذا تجدني أميل إلى صفة النحات أكثر من صفة الشاعر كون الأخيرة مسؤولية كبيرة وسط هذا العدد الكبير من الشعراء في خضم الجدل الدائر بين أهل التجديد ( قصيدة النثر ) وأصحاب العمود والتفعيلة. وكل فريق له حجته الصائبة فقصيدة النثر فيها روحية التجربة الأوربية وهي ليست قصيدة منبرية وإنما تعتمد على التكثيف وتخلق الدهشة لدى المتلقي ولا تترك أثرا بعيدا في البعد الزمني، وإما القصيدة العمودية وشعر التفعيلة فهي قصيدة منبرية تسهم في التعبئة والتحشيد وتشكل امتدادا للموروث الشعري،
_ ما هي أخر أعمالك وهل لديك مشاركات داخلية وخارجية
أخر إعمالي نموذج لنصب يخلد شهداء الصحافة العراقية كلفت به من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء لصالح نقابة الصحفيين العراقيين والعمل الأخر عمل نحتي يمثل المرأة العراقية اهدي لها ببعيدها العالمي، تثمينا لدورها في شتى الميادين. مشاركاتي فردية كون طبيعة عملي الوظيفي بعيدة عن الفن ولا املك الوقت الكافي فالعمل في مجال النحت يحتاج إلى تفرغ والى ساعات عمل طويلة، طموحي ان أقيم معرضا شخصيا يمثل تجربتي في هذا المجال.
أمنيتي أن أرى بغداد تعج بالتماثيل والنصب فتاريخنا زاخر بالمآثر والبطولات فكلما مررت بساحة مهملة تمنيت أن يقام نصب هنا وجداريه تزين بناية مؤسسة ما ،أن تبتعد المؤسسات المعنية بالثقافة والأدب عن نشر الفن والمبتذل وان تنفذ النصب الأخيرة الفائزة كنصب العراق وشهداء سبايكر وإعلام العراق (الجواهري والدكتور العلامة حسين علي محفوظ الوزيرة نزيهة جودت الدليمي) وإعلان مسابقات لإقامة نصب وتماثيل جدية تخلد بطولات جيشنا وحشدنا خلال تصديه لقوى الظلام.