Pdf copy 1

ناظم محمد العبيدي 
إن الحديث عن ظاهرة التطرف الديني يأخذ عادة الطابع التبسيطي ويقتصر على تجلياتها الاجتماعية والسياسية، ويغفل البعد الذاتي الذي يعد الأساس المطلوب التوقف عنده ودراسته، وهل الظاهرة الاجتماعية سوى محصلة لمجموع أنشطة الأفراد المساهمين فيها؟ وبخاصة أن ظاهرة التطرف الديني تنحصر في فئات محددة من الناس تجمع بينهم سمات نفسية تستحق التأمل. إذا سلمنا أن الممارسة الدينية تشبع حاجة أصيلة لكثير من الناس، فالقاعدة هي أن الدين يفسر برغبة الفرد في مد جسور صلة مع قوة عليا (ترتبط عادة بمسلمات غيبية) تهب الوجود البشري أمناً، ووعداً بالخلاص الروحي الأخروي، ولا تبلغ هذه التجربة عند معظم الناس حد التطرف، بل تكون جزءاً من النشاط اليومي الذي يمارسونه في حياتهم ليكون عوناً معنوياً، وتطميناً لنفوسهم من مخاوف متوقعة، أو رجاءً لأمنيات مؤجلة، وغيرها من الحاجات الإنسانية التي تتسع دائرتها تبعاً لتعدد الذوات واختلاف طبائعهم وثقافاتهم. والملاحظ إننا لا نجد عند هؤلاء المتعبدين ذلك الفصام مع الواقع الذي يكابدونه، فمهما كثرت همومهم وانتقاداتهم للمظاهر السلبية فإنهم يحتفظون بقدر كبير من الانسجام مع وجودهم الاجتماعي والواقعي، وهذا ما يميزهم عن الفئة المتطرفة ذات النزعة المثالية، فالأخيرة تفتقر إلى التوازن النفسي حيث تتلاشى لديها أو تكاد القدرة على المصالحة مع الواقع ، وتنتهي إلى رفض قوانينه الحاكمة، والتسليم لسلطته، والاتجاه نحو التشبث بعالم مواز يتناسب مع الصورة المثالية التي يكون الدين (في حالة التطرف الديني) وفق تصوراتها طبعاً هو البديل الموضوعي لها، حيث تجد في فضائه الفسيح المتعالي طمأنينة مفقودة وعزاءً عن الخسارات المؤلمة.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذه الفئة ذات النزعة المثالية تنقسم بوجه عام إلى نمطين من الشخصية كما يظهر من الملاحظة: فهناك الشخصية الصوفية ذات المنحى التأملي الجمالي، والأخرى التبسيطية ذات المنحى الانفعالي العنيف.
تتميز الأولى – الصوفية – بالروح المتسامحة والمنفتحة على مظاهر الوجود الجمالية، وتفسير ذلك هو أن نشاطها التأملي يقودها إلى معرفة نفسية تتسم بقدر كبير من الواقعية، واستشعار التناقض الواضح في أعماق الإنسان كما عبر عن ذلك أبو العلاء المعري:
مهجتي ضد يحاربني    أنا مني كيف احترس
هذا الصراع بين الإرادة البشرية ومتطلبات الوجود الروحي يضع الفهم الصوفي أمام حقيقة الضعف البشري، ومحاولة تحقيق التوازن مع العالم عبر تجربة وجودية، الأمر الذي يجعل من الممارسة الدينية – السلوك – رحلة ذاتية تسعى إلى المطلق بواسطة التطهر والتخلي عن الدوافع الأنانية – الزهد، وتجنح الثانية الى معاداة كل ماهو خارج ذاتها من أفراد وأنماط سلوكية داخل المجتمع، وترى في ذلك تناقضاً مع مسلماتها التي عادة ماتكون فتاوى مختزلة للدين تتجاهل البعد التاريخي الذي وجدت فيه، وتمضي في حربها ضد الآخر تحت مسمى الجهاد لتتحول نزعتها المثالية الى سلوك إجرامي لا يستقيم مع الفهم الطبيعي لجوهر الحقيقة الدينية!.

التعليقات معطلة