يعد الشاعر والمترجم المغربي، نور الدين ضرار، أحد أهم الوجوه والأسماء الشعرية المغربية اللامعة، التي بزغ نجمها منذ منتصف ثمانينيات القرن المنصرم داخل مدونة الشعر المغربي. وهو واحد من هؤلاء الشعراء الذين فطنوا مبكرًا إلى الاشتغال على البعد الجمالي داخل النص الشعري.
وقد صدر له هذه السنة عن منشورات مرسم (المغرب) عمل شعري جديد موسوم بـ”هلوسات خارج التغطية”. ويتألف هذا العمل الشعري الجديد من خمسة نصوص شعرية طويلة موزعة على 71 صفحة من الحجم المتوسط في حلة أنيقة تتصدرها لوحة فنية غرابية للفنان محمد نبلي..
إن ما يميز تجربة الشاعر نور الدين ضرار في عمله الشعري الجديد هذا، هو جزالة قاموسه اللغوي والشعري الذي يستدعي قارئًا حصيفًا ملمًا بثقافات وأدوات معرفية وجمالية تؤهله لردم تلك الفجوة بين الذات الشاعرة وواقعها المتشظي، وأيضًا عن ذلك الغموض الذي تنطوي عليه نصوصه، هذا فضلاً عن براعته في نسج صور فنية منتزعة من واقعه اليومي، في غاية البراعة والإتقان صور يداعب بها الروح ويخاطب عقل القارئ.
وفي دراسة متميزة خصّها الشاعر والناقد صلاح بوسريف لدراسة المتن الشعري عند هذا الجيل، موسومة بـ “المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر”، وفيها حاول ملامسة ومقاربة خصوصيات المرجع عند هذا الجيل المسكون بأنطولوجيا الاختلاف والمغايرة، إذ نجد المرجع التراثي، وهو مرجع شعري صرف “ينزل فيه النص إلى معابر النص الشعري القديم بكل مكوناته”، محاولاً اختبار بعض عناصره ومدى قدرتها على الغوص في غير نهرها القديم سواء على مستوى الصور أو المعجم أو الإيقاع، إضافة إلى المرجع الصوفي الإسلامي، وهو مرجع تتعدد فيه المقاربات وتتأرجح بين ما هو شعري ونثري، ففيه “تصبح ممكنات الشعر كجنس له قوانين معيارية، لاغية ولا تصمد أمام انفتاح الرؤيا”. ثم نجد المرجع الغربي، المتمثل في انفتاح شعراء هذا الجيل على بعض تجارب الشعر الفرنسي خاصة عند : رامبو، فرلين، مالارميه وغيرهم من الشعراء الفرنسيين. وما يميز شعرية هؤلاء هو “الميل النثري الصرف الذي يكون السرد فيه أحد المعابر الأساسية لإيقاع النص ومتخيله”، لذلك فالقصيدة هنا تكون “مخاتلة مزورة لأنها تقيم نثرها في الشعر، وتبني شعريتها بممكنات النثر”. إضافة إلى مراجع أخرى، كالمرجع البصري والتاريخي والأسطوري mythologique، ثم اليومي من خلال بعض تفاصيله وجزئياته كالعابر والزائل، وهو المرجع عينه الذي يمثله الشاعر نور الدين ضرار إلى جانب الشاعر الراحل أحمد بركات.
وقد بدأت تنتسج أواصر صداقة الشاعر نور الدين ضرار الوجودية مع الشعر، بدءًا من صدور باكورته الشعرية الأولى “تسكعات في خرائط التيه” (1999)، ليتوج ذلك بمنجز شعري أصيل. من ثم دأب الشاعر على مراكمة أعماله، إذ تضم مدونته إلى حدود اليوم، أكثر من عشر إصدارات موزعة بين الشعر والترجمة، نذكر منها: تسكعات في خرائط التيه، توشيات لأهواء الحب والمطر، أناشيد البقاء: نحو أخلاق صوفية، من رماد وجمر، طارق بن زياد، حدائق المغرب التاريخية.. وغيرها.
وقد صدر له هذه السنة عن منشورات مرسم (المغرب) عمل شعري جديد موسوم بـ”هلوسات خارج التغطية”. ويتألف هذا العمل الشعري الجديد من خمسة نصوص شعرية طويلة موزعة على 71 صفحة من الحجم المتوسط في حلة أنيقة تتصدرها لوحة فنية غرابية للفنان محمد نبلي.
إن ما يميز تجربة الشاعر نور الدين ضرار في عمله الشعري الجديد هذا، هو جزالة قاموسه اللغوي والشعري الذي يستدعي قارئًا حصيفًا ملمًا بثقافات وأدوات معرفية وجمالية تؤهله لردم تلك الفجوة بين الذات الشاعرة وواقعها المتشظي، وأيضًا عن ذلك الغموض الذي تنطوي عليه نصوصه، هذا فضلاً عن براعته في نسج صور فنية منتزعة من واقعه اليومي، في غاية البراعة والإتقان صور يداعب بها الروح ويخاطب عقل القارئ.
يقول في “سنوبيا الكائن الأوحد”:
“أفسحوا لي في غمرة الهتاف
ناصية على الرصيف كي أستريح
أو اتركوا لي كرسيًا مهترئًا
في مقهى العطالة
لأسكنه للأبد..
وليكن لي على أرصفة الهباء
أن أدمن لآخر العمر هذياني
كأني كل الناس
وكأني لا أحد.. “
تتضمن هذه الأبيات صورًا تعبر عن بداهة الحلم والتفكير، وترصد ما يمكن أن ينقل من الحياة الواقعية إلى أرض الشعر، بعد تخييله بواسطة صور حسية تظهر القلق الوجودي اليومي للذات الشاعرة المكلومة، كما تنم عن مدى براعة وعمق الشاعر في إبداع صور تلذ الإحساس وتلهب الأنفاس بتعبير التوحيدي، وتعكس صورة الذات والواقع على حد سواء. وهذه هي وظيفة الشعر الجديد كما حددها أدونيس، فهو “يغير إيقاع نقل الواقع بإيقاع إبداعه”، من هنا يصبح قوامه معنى خلاقًا توليديًا نلمح من ورائه رؤيا للواقع والأشياء إحساسًا كشفيًا، لا أن يكون “معنى سردياً وصفياً ضيفاً، حيث يكون محكوماً عليه بسجن من التشبيهات والألفاظ المزخرفة”.
أما اللغة فقد عمل الشاعر أحيانًا على وضعها في مقدمة برنامجه الشعري، وبأسلوب أخاذ يصور لنا الواقع تصويرًا ينعكس فيه ما بداخله وما يصطرع في تفكيره. فاللغة في تجربة نور الدين ضرار ليست ذاتًا مستقلة عن النص، بل هي عنصر فني من عناصره الأساسية، ذلك أن شعرية النص لا تكمن في لغته، وإنما في تكوينه الكامل. وقد غلبت على الشاعر أحيانًا اللغة المشهدية أو السينمائية، من خلال التركيز على حاسة البصر، في تكوين ولملمة أشلاء مشهد واقعه اليومي.
يقول في “كوسمو- فرينيا”:
“ولتكن الأحوال على غير ما يرام
زعيق الباعة
جحافل المشاة
عجيج العجلات
فخاخ المنعطفات
الأعتاب الواطئة
رجال بربطات الفراش
ينتعشون بالشامبانيا العاهلة
أشباه بأجنحة الذباب
يتعيشون بالقناني الفارغة
الأفواه الفاغرة
الأذرع الممدودة
السيقان المرصوفة
العاهات المعروضة
الأضواء الكاشفة
السحنات الغائمة.. “
كما أن الأسلوب الشذري النيتشوي، البادي في هذه الأبيات، لا يؤكد سوى عناية الشاعر نور الدين ضرار بشعرية مدينته من خلال استشكال وإبراز مراحل اختمار واقعها في لحظاته العسيرة إبان الربيع العربي، وهو ما يؤكد من ناحية أخرى، التحامه بينه كذات شاعرة وواقعها المعاش. أما الصورة الشعرية في هذا العمل فهي رهينة بخبرة وفهم القارئ لها وفق سياقها الشعري والواقعي، وهذا النوع من الصورة كما يقول غاستون باشلار، يتيح لنا إمكانية المشاركة في تشكيلها وصناعتها والإنصات لها، أو الاهتمام بها حينما تنتقل إلى الوعي كنتاج مباشر للروح”، وهذا ما دفع باشلار في كتابه “la poétique de l’espace” إلى القول إن “الشعر هو فينومينولوجيا الروح أكثر من كونه فينومينولوجيا العقل”، مما يعني أن الصورة هي نتاج مباشر للروح، التي تعمل على إقامة حوارها الروحي مع العالم، هذا الحوار الذي يتعذر وجوده عند العقل.