قراءة / أحمد الغالبي
( سُقيا لكَ الغَيث ) مجموعة شعرية للشاعر ( حماد خلف الشايع ) تضمنت اثنتين وثلاثين قصيدة عمودية صدرت عن دار المثقف للطباعة والنشر وكتب مقدمتها الشاعر الدكتور جليل البيضاني .
الشاعر يستعين بمختلف وسائل التعبير من اجل توصيل رسالته الى المتلقي ، إذ شكلت اللغة عند الشاعر حماد في كتاباته الشعرية ركناً أساسياً ومهماً على اعتبار أنها موطن الهزّة الشعرية وانعاش وتجسيد للفاعلية الشعرية واختزال لكيانها المادي ، لذلك جعلنا الشاعر في مجموعته هذه نتحسس الدلالات الساطعة من حيث البناء في هيكل القصائد الممتلئة بالحرارة والشاعرية ، ففي لغته التجلي والإفصاح عن شخصيته التعبيرية البالغة الكثافة ، حارة ومتحركة تجسد رؤيته وذهوله وحلمه .
ولا يمكنه قطعاً فهم ماضيه كما ينبغي إلا في ضوء ماينتجه الحاضر وما يبدعه في لحظاته الراهنة ، ففهم الشاعر لماضيه لايتم على وجهه السليم إلا إذا كان مستضيئاً بمطالب الحاضر ونداءآته ، لأن الشعر يمثل اداة للتعبير عن الإنسان في صلته بواقعه زمناً ومكاناً بطريقة بالغة التأثير .
في قصيدة ( سقيا لك الغيث ) ص 26 يقول :
سُقيا لك الغيث فليساقط البرد
إلى متى يبس يغشاك يابلد
إلى متى كف هذي الأرض راجفة
تغرورق العين والأجفان ترتعد
تفيض باللؤلؤ المدرار مقلتها
تسقي مروجا بها الأوراق تنجرد
سيان في جوفها نهران من عسل
أو من دماءٍ عليها صبرنا يرد
في هذه المجموعة ادخلنا الشاعر في غمرة احساس جارف بحيوية موضوعاته التي تناولها في قصائده بتفصيلاتها المتغيرة ، وكانت نصوصه ردة فعل لواقع أو حدث عِبْرَ دلالة شاملة والتي جعلها بتماس مباشر مع محنة الإنسان من حيث التداخل لرؤية الجوهري والشامل من خلال التأجيج المحسوس ، لذا فأن ذاته الشاعرة استطاعت ان تضفي تشكلات جمالية وتمظهرات عدة عِبْرَ الصور والأخيلة التي جسدت الفعل الإبداعي للجملة الشعرية في بناء تعبيري متقن وتصور خاص لمفهوم الشعر ووظيفته . ففي نفسه حاجة ملحة للبوح ونشر الحقائق التي خزنها داخل نفسه الإنسانية فتمكن من توضيح اشارة دلالة المقاطع المرتبطة فيما بينها ، وهذا ماجعل لمحاته الشعرية توّلد جمل شاعرية مصاغة بدقة متناهية ، كان واضحاً في إيصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو مستنداً الى الوجدانية الشاعرية معبراً عن تجربته العميقة للحياة بما فيها من الخليط المتجانس للأحداث.
في قصيدة ( ياخائن النيل ) ص 41 يقول :
إرحل توضأ في محرابك الخجلُ
ياخائن النيل قد ضاقت بك السبلُ
أقم لدى حائط المبكى صلاة ضحى
وانظر الى القدس فوق الغيم تعتدلُ
طابت بها أنفس الأحرار فانبجست
من تحت صخرتها الأرواح تبتهلُ
تستنشق المسك من أنفاس قبتها
وترتوي العذب مما يشرب الرسل
ياخائن النيل أشربنا مذلتنا
من خمر كفك حتى ضاعت المُثُلُ
يؤكد لنا الشاعرحماد أنه يعيش حالة من التجلي في مناخ الإبداع وهو ماضٍ في عوالمه كونه متيقن ان الشعر فن يحتاج الى الوقائع واللغة والخيال والتأمل لتفسير الحياة بمختلف ارهاصاتها وتداخلاتها بغية الوصول بثقة واقتدار الى لحظة التوهج الشعري ، ولذلك استطاع ان ينقلنا بلغته الرصينة والثرّة الى عالم آخر مختلف فيه كل الأشياء مختلفة بتوليده للتساؤلات المستمرة ، وخلق علاقة وارتباط بين الموقف والموضوع الذي يطرحه بقيمة فنية وجمالية كونه يعتقد أنها سبيله الوحيد للإتصال بالحقيقة الشعرية التي ينشدها .
في قصيدة ( أبكي على الدار ) ص 53 يقول :
أبكي على الدار أم أبكي على وطني
كِلا الذبيحين في طفيهما شجني
أكُلما أختلي ليلاً بذاكرتي ..
لأطوي الهم تأتي الريح بالحزن
وكلّما أستسلَمَتْ للنوم أجنحتي
ذابت خيوط الكرى في لجة الوسَن
الصور والإستعارات في قصائده الشعرية لها وقع خاص من حيث التكثيف والإيماء ، فيها الصدق والوضوح ، محاولاً قدر المستطاع الإبتعاد عن العبارات الفضفاضة من حيث التعبير والإسلوب ، نصوصه حافلة بالأسئلة المتشابكة الناتجة عن دوافع نفسية عديدة شحنها باسئلة ومخاطبات ، وهذا ماجعل صوره الشعرية متعددة في الرؤية والإستحضار . كما جعلنا الشاعر نتلمس طعم التجريد والوهم والحقيقة والخيال حين تحرر من سلطة الواقع المرير وصولاً الى الفعل النفسي في عالم الروح ، محاولاً أن يرتشف من نفحات السرور والسعادة كونه يعتبرها واحته الخضراء التي تفيض شوقاً وحنيناً . استمر في بناء القصائد بالمهارات التي امتلكها عندما وظّف أدواته الشعرية بطريقة مؤثرة ومعبرّة لتصوير الأحداث المتدفقة بصفاء رؤيته الشعرية الثاقبة ولونه الشاعري الجميل .
في قصيدة ( اخت مريم “ بغداد “ ) ص 64 يقول :
بغداد انت بمسكنا فتضوعي
هذا مخاضك والوليدُ بمطلعي
هزّي بجذع الصبر يسقط شاحبا
وجهي لينبي مابثورة اضلعي
وكُلي بجوف الليل صورة عشقنا
فشراب عجزي قد يريك توجعي
قولي لمن يستاك قضمة أظفر
إني اعتكفت بمضجعي وبصومعي
ونذرت من صومي وجذوة أحرفي
ألاّ أكلّم جاهلاً أو مدعي
الشعر يرسم عالماً جديداً يختلف عن العالم الواقعي كونه يشكل رؤية جديدة مغايرة ، لأنه فن ينبني على تجربة شعورية انفعالية ، لذا حرص الشاعر حماد على ان تكون قصائد هذه المجموعة هي نافذته التي يطل منها بشعره على مرافىء الوجدان مغترفاً من معين الروح الدافقة ليستزيد بزاد العاطفة والوجع متغنياً بأحلامه والآمه ليعبّر عن موقف عام للإنسان في حياته اليومية وكانت كل صوره الشعرية منقولة عن حس رؤيوي تأليفاً وتسوية ، كونه أيقن مسبقاً لما يذهب اليه في نداءآته الشعرية ، رسم واقعاً جديداً صار خلفية لمزاج جديد يعيشه الشاعر وينثر قلقه على كل شيء من خلال مونولوج بارع تتكرر فيه المناجاة .
في قصيدة ( عيناك ) ص 104 يقول :
عيناك نور وأمواج وأضواء
فيهن أبحر يحدو زورقي الماء
عيناك شاطىء أحلام ملونة
جميلة خُط فيها الحاء والباء
وخُط فيها تراتيل الألى سبقوا
ممن سقتهم تباريح وأهواء
وأرقتهم ليالي الهجر فأمتثلوا
تذيبهم في لهيب الشوق أصداء
لايمكن أن ننظر الى عملية الإبداع منفصلة عن الشاعر بمعنى أن القصيدة منغلقة على ذاتها ، وكأنها بلا صانع حقيقي ، إذ الشعر لايغدو مخلوقاً بصفات محددة تكسبه ملامحه الخاصة إلا من بعد أن يدخل فيه الفعل والحدث تأثيراً ، لأن الرؤية الراسخة تلقي بظلالها العميقة على مهارات الشاعر الكتابية وتنعكس على أشكاله التعبيرية وتطبع لغته الشعرية بطابعها .