مؤيد عبد الزهرة
امين رجل ناجح طوال حياته واثق من نفسه وهاهو يجتاز عتبة عقده الرابع ولم يكن يعتمد على احد منذ الصغر بيد انه خلال السنتين الاخيرتين كغيره من الموظفين بدا يمر بظروف صعبة نتيجة متطلبات الحياة الكثيرة وغلاء المعيشة وطلبات الأبناء، الأمر الذي اخذ يجبره على الاستدانة من زملاء العمل ومن البقال ومن اخوته ومعارفة احيانا ، .
يعترف امين أنه يسعى دائما لتوفير حياة كريمة لأبنائه، إلا أنه فقد السيطرة في الآونة الأخيرة على ضبط أعصابه في كيفية الحوار والتعامل معهم، انهم جيل كثير التطلب ، فمجرد العودة للمنزل تنشب المشاحنات والخلافات لأتفه الأسباب،.
يقول “أشعر بضغط نفسي كبير، وزوجتي تشاركني هذه الأزمات”، كما ان “أبنائي الأربعة أصبحوا يتحاشون الجلوس معي بسبب عصبيتي ، ولذلك اخذت اتذرع دوما في التهرب من الجلوس معهم بانشغالاتي واحاول الخلود للنوم باكرا مما جعلني اشعربالإحباط والكآبة طوال الوقت “.
ولان كآبة الرجل تجعل الحياة لاتطاق وترمي بظلها الثقيل على كل الاشياء الجميلة لتلونها بالعتمة ، حاولت زوجته التخفيف من همومه فداعبته بالقول “ولايهمك حبيبي الحكومة تتداين وتسدد بفوائد او بالنفط ،والناس اغلبها تتداين لحين ميسرة ،ولاتنسى حتى الله خالقنا يقول من يقرضني قرضا حسنا فاضاعفة له..ابو احمد عيوني ولايهمك تفرج ،وتذكر ان وراء كل عسر يسر”..
يبتسم لها على مضض ويضع يديه على رأسها وهو يقول “ اعلم يا ام احمد ، اعلم هذا “..ولكنه حين يستحضر المشهد كما هو ويقرأ الوضع المرة تلو الأخرى، في كل قراءة تتفجر أمامه طيف من الالتزامات ، فتتمدد و أحيانا تنكمش وتنغلق كعلبة مكتظة من الداخل… فتضغطه اكثر واكثر ولم يعد يحتمل ..لأن الدَّين حمل ثقيل وهم عظيم الم يستعذ منه خير البرية صلى الله عليه وسلم حين دعا بهذا الدعاء الجامع : “ اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”.نعم هم كبير من يقوي على احتماله ؟!.
لقد بدا يتحاشى الطريق المختصر الذي اعتاده في الذهاب والإياب لكي لايرى “ابو سالم البقال” خجلا منه اذ لم يسدد ما بذمته منذ شهرين وأكثر، واخذ يقفل هاتفه متذرعا بشتى الحجج حتى لايرد على فلان او فلان الذي يستحق سداد دينه راس الشهر فيما جردة الحساب للمتطلبات لاتسعفه على الايفاء بالسداد وهذا مايجعله يأكل بنفسه قهرا اذ لم يعتد مثل هذا الوضع وهو المعروف بصدقه ونزاهته واحترامه لكلمته ياترى كيف يداري وجهه عمن ساعدوة ..
لاحل سوى اعادة النظر بالميزانية وشطب مايمكن شطبه عبرالاقتصاد بالنفقات والمصروفات وعدم اللجوء إلى المصروفات الزائدة والكماليات والاهتمام بالضروريات بشكل أساسي، وعدم الاستدانة مرة اخرى مهما كلف الامر،اولا وثانيا دراسة الطريقة التي سيتم من خلالها تسديد الديون ،وافضل الحلول البحث عن عمل اخر بعد العودة من الدائرة هذا ماتوصل اليه ابو احمد اخيرا ،فاستدعى زوجته وأولاده وصارحهم بالوضع، والجديد المطلوب التعامل معه عندها عادت الضحكة ترتسم فوق الوجوه ،وعاد معها السيد امين الى طريقه المعتاد، وهو يحيي الجميع، ولم يعد يقفل هاتفه ،بل يرد بثقة عاليه وصوت واثق ..لقد رحلت عنه الهموم وانزاح ثقلها عن صدرة ..لا استدانه بعد اليوم ..

