Pdf copy 1

اشراف صالح جبار خليفاوي 
المقطع الثالث.. د . ماجدة غضبان
كنت اعلم انها قد رحلت غير ان حضورها في تلك اللحظة بالذات وهي تشع هيبة وجمالا لم يفا جئني كثيرا
كانت اشد شبابا وفتنة عما كانت عليه في السابق.
الوجوه تبدلت والمحارق لازالت تزفر دخانها ومن ابصرها باندهاش لم يدع عدم معرفتها فقد رأوا صورتها مرارا في احاديث الاجداد والجدات وقد وصفوا ثوبها الموشى بحروف سومرية وكتابات بالخط الكوفي وتهامة الذي اعتادوا استخدامه في اجهزة الحاسوب لانها هي اول من خط به الوصية الاولى. ووجها المستدير الذي يقطر منه عسل التمر ورموشها الخضراء الطويلة كسعف نخلة وحدقتيها السوداوين كمتاهة تلج في كهف الماضي لتشع من خلاله صور الاف من الشهداء تساقطوا على جانبي الطريق وهي تمر لتمنحهم نعمة التألق كالنجوم حين يمر ليل الفاجعة بالقرب منهم،وشفتيها اللتين تقطران بحمم بركان يصول في جسدها يبحث عن نقطة رقيقة على شفتيها لتنطلق من ثغرها الصيحة الاولى المنتظرة عبر التاريخ.
صمت مر كأنه دهر والوجوه تعلن عن حضورها البهي والاقدام تسعى نحوها بلهفة انتظار وشوق، وفي الطريق الذي اخذ بالاتساع شيئا فشيئا هدرت ملايين من الاقدام وهي تدك بارجلها صخور حادة تخز العابرين وتصبغ نتوءاتها بلون الدم المراق.
اشرق وجه ابي بابتسامة خالدة وحملت صوره الايادي وعزفت لحنه الاف الحناجر،وصهلت الفرس مجتازة حدودها الاخيرة باتجاه نهار جديد.
انها امي تصحو بعد هنيهة غياب
المقطع الرابع تكتبه ماجدة سلمان محمد/بغداد
ليست كأية جدة أخرى ..إنها (صائبة ) هكذا قرأت في شهادة ميلاد أبي من دهر غابر، صغيرة ..حين كنت أراها تصنع تنور الطين طوف يليه آخر ..ثم آخر يستمر العمل لأيام طويلة تحت شجرة التين.. تجول عيوننا على الأغصان العارية تبحث عن ديدان القز ذات بينما أرواق التين الصفراء تفترش الأرض تحت شجرتها في ذلك الخريف ..الخريف الذي ولت به هاربة وهي تحمل وحيدها (أبي) لان زوجها(جدي) قد تزوج بأخرى لم تكن بأجمل ولا أنبل منها، فقررت انه لا يستحقها وعادت إلى أخيها الوحيد تربي ابنها الوحيد ..
كان عائلتها الصغيرة ..ولذلك ظلت تقنع أمي كل مرة أن تنجب المزيد فكلما كان المولد أنثى طربت.. وقالت ما أجملها، وكلما كان المولد ذكر رقصت.. وقالت يشد عزم أبيه، عائلتها الصغيرة صارت أربعة عشر فردا .. نصحو على رائحة الحليب المغلي جسدها النحيل يتكور قرب مدفأة علاء الدين الموقدة وقد عبقت رائحة الشاي المعطر بالهال من إبريق المعدن اللامع والى جواره إبريق الحليب، لابد أن نفطر قبل الذهاب الى المدرسة السلام رغم عددنا الكبير كان يعم بيتنا الصغير لم نشعر بجوع أو عوز ..كبر الصغار، سيدات جميلات وسادة مثقفين ..خرجوا من شقوق الطين ، واصطبغت حياتهم بلون الأرض التي امتزجت بالدم .. احد السيدات وفقد زوج الأخرى ذراعه ..عصف بالسادة المثقفون الشتات..بُترتْ ساق احدهم.. السنوات الثماني بين السواتر والغبار ..أعقمت الأفكار، من نجا بجسده.. تحجر عقله…لم تحتمل انتكاستهم وفراقهم وشتاتهم.. الورم يأكلها بصمت لم تردعه أو تهجره كما فعلت مع زوجها ..حينما تركته في ليلة خريفية ..تلفحت به لن تدعه يتسرب منها ..لن تمنحه فرصة الامتداد ابعد من جسدها .. ولن يمس قلبها المودع في أربعة عشر صدر تنزف كل يوم ببطيء تضخ الألم والحسرة ..تركته يتسلقها ينشب مخالبه فيها يتمدد بين خلاياها يتغذى ..احتوته ..
حاصرته أطعمته كل حسرات الفراق التي حملتها منذ تلك الليلة الخريفية لترحل به بعيدا عنهم .. ..صدِئتْ مدفأة علاء الدين ..وانقطع الشاي العَبــِقْ برائحة الهال ..حين عادوا من سواتر الغبار كان كل ما تبقى من صائبة موقد قهوة انطفأ جمره ودخان اسود عند زاوية الجدار ومن خلفها حطام تنور تحت رماده القديم جذوة من نار تنتظر نسمة هواء لتتقد.

التعليقات معطلة