أمجد ناصر 
جمعت أعمال محمود درويش الشعرية، في حياته، أكثر من مرة، بل تولّت إصدار مجلداتها أكثر من دار نشر عربية منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي. لكن أعماله النثرية لم تجمع في إطار ما يعرف بالأعمال الكاملة أو الناجزة. كان بإمكان درويش أن يصدر هذه المؤلفات في أكثر من مجلد لكنه لم يفعل. ربما لأنه رأى أن صيغة “الأعمال الكاملة” تليق بالشعر لا بالنثر، وربما لأنه أرادها أن تبقى في كتب منفصلة تحمل وسم لحظتها وظرف كتابتها. بدأ محمود درويش ناثراً في فترة قريبة من انطلاقته الشعرية في الأرض المحتلة. فما إن بدأ اسمه يلمع في وسط “عرب الداخل” حتى راحت القوى السياسية تحاول استقطابه. فاز في هذا المسعى، كما نعرف، الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي شهدت صحافته انطلاقة درويش الناثر. عرفنا شعر درويش في تلك الفترة ولم نعرف نثره. فأعماله التي نشرت في فلسطين المحتلة أعيد نشرها في القاهرة وبيروت. صحيح أن درويش أعاد النظر ببعض تلك الأعمال وأجرى تعديلات على قصائد بعينها ولكنه لم يستثن منها، على حد علمي، سوى عمل واحد نشره في فترة مبكرة من حياته. هناك، والحال، فجوة في كتابات درويش النثرية، هناك فترة محذوفة هي فترة كتابته في صحافة “الداخل”. تلك كتابات لم يحرص الشاعر الراحل على جمعها أو حتى الإشارة إليها.مع ذلك يخطر لي أن نثر محمود درويش اختلف باختلاف المراحل السياسية أو الظروف الشخصية التي مرّ بها. تمكن ملاحظة الجانب الوظيفي السياسي في بدايات كتاباته النثرية. علينا أن نتذكر أن درويش عُرف في العالم العربي أولاً من خلال شعره الذي وقع على ترقّب سياسي وثقافي عربي حيال فلسطين المحتلة. الشعر أولاً عند درويش ثم النثر. طبعاً هذا كلام قد يقال عن كل الشعراء حيث يأتي الشعر قبل أي نشاط آخر، ولكن هذه “القاعدة” لم تعد صارمة في حياتنا الثقافية حيث يمارس الشعراء عملاً في الصحافة يجعل ممارساتهم النثرية وتدخلهم في الشأن العام أمرين يصعب تفاديهما. فعل درويش أيضاً هذا في صحافة الأرض المحتلة. لكن نصوصاً نثرية قليلة من تلك الفترة تسرّبت إلينا. فمحمود كان حارساً يقظاً تجاه منجزه وما يرغب في نشره وإذاعته على القراء. هكذا لم نر كتاباته النثرية في صحافة فلسطين المحتلة عام 48 لأنه لم يرغب هو في ذلك وليس لأنها غير موجودة. ممارسة درويش لدور حارس النص تتعلّق بحرصه على ما يمكن أن نسميه “المستوى الفني”. كان هذا هاجساً عند درويش. لكن الأمر لا يعني إعلاء الجمالي على السياسي أو الوطني. وهنا ينبغي أن نلاحظ أن هناك خطين في نثر درويش المنشور: مواكبة الحال السياسي والوطني العربي والفلسطيني بقدر قليل من العدة الجمالية والبلاغية، وفضاء هذا الخط هو الصحافة سواء كانت أسبوعية أم دورية، ثم هناك نثره الذي يضعه في أعمال مخصوصة أو ذات موضوع واحد، وهذه للأسف، ليست كثيرة، أبرزها في ظني “ذاكرة للنسيان” ثم “في حضرة الغياب” الذي أعتبره امتداداً للأول على الرغم من أن الدافع الرئيسي لكتابة الأول هو حصار بيروت، بينما لا يوجد سبب معلن لكتابة الثاني سوى ما لم نكن نتوقّعه وكان هو يهجسه في أعماقه: موته. هذا عملان يختلفان كثيراً عن نثره في الكتب التي كانت محصّلة لمقالات متفرقة جمعت بين دفتي كتاب.من نافل القول إن درويش من سادة النثر العربي، على الرغم من الشعرية الكثيفة التي تطبع بعض هذا النثر وتكاد تنقله من خزانة النثر إلى خزانة الشعر. شعرية النثر ليست أمراً ممتدحاً ولا مذموماً بحد ذاتها. الأمر يتعلق بكيف تفعل ذلك؟ إلى أي حدّ يتوازن النثري والشعري فلا يطمس النثري لصالح الشعري اللفظي؟ أي دور يؤدّيه الطابع الشعري في النثر وهل يعيق البعد المعرفي أو الوظيفي المفترض في النثر؟ درويش فعل هذا في بعض أعماله ولم يتمكّن من تحقيقه في بعضها الآخر. مشكلة درويش أن شعريته طاغية وغنائيته فائضة. هو كان يعرف ذلك. صراعه، حسب ظني، كان لكبح طغيان الغنائية والتدفق التلقائي للشعر الذي يأتي، أحياناً، في غير مكانه. تصوّروا شاعراً يكافح ضد كثرة الشعر عنده؟! شبه جازم أقول إن درويش كان يفعل ذلك.

التعليقات معطلة