حاوره / قاسم وداي الربيعي
لا فرق عندي بين شعراء العمود وشعراء قصيدة النثر ولم أكن ضمن قائمة الذين يسقطون بعضهم ما يهمني الجمال والشعر والشاعر . جعفر الخطاط شاعر شاب يشارك الجميع محبتهم لكنه يعمل بصمت ويكتب وسط ظروف صعبة , لكنه لم يغب عن المشهد الثقافي بل تراه يشارك في الأنشطة في التي تجري في شارع المتنبي والمهرجانات التي يدعو إليها . مدينة الكوت هي محل سكناه وله أنشطة أخرى هناك . كنت أراقبه عند بعد فشدني لاحترام ذائقته الشعرية واحترامه لزملائه . بعد مواعيد طويلة ألتقيته أخيرا فكان بيننا الحوار التالي
_ البداية والتجربة الشعرية
البداية كانت من الطفولة في مضمار الخطابة المدرسية حين كنت من التلاميذ الذين اشتركوا في مهرجان الخطابة لمدارس مدينة الكوت في ثمانينيات القرن الماضي و أذكر وقتها حصلت على المركز الأول في مدرسة الأبطال الابتدائية المختلطة 
و حصلت على جائزة مالية و ملابس في وقتها ، هذا المضمار هو أول من غرس في داخلي حب الوقوف بين خشبات المنصة و قراءة الشعر و الإنشاء و أيضا كنت ألقي قصيدة الخميس في اصطفاف التلاميذ كل صباح ، أما أول تجربة شعرية كانت لي عام 1999 حين كتبت قصيدة شبه متكاملة تحمل اسم ( يا حسناء ) استمرت تجربتي بعدها حتى عام 2002 مسدلاً الستار على نبوءة الشعر في داخلي 
_ لمن تكتب وهل أنت تبحثُ في كتاباتك عن الجمال
أكتب للعراق .. هذا الوطن الجريح المغدور .. عن شهداء أرض الأنبياء و الأوصياء ، عن قصص الموت التي تخطف الأبرياء كل يوم ، عن الطفولة المذبوحة بلا ذنب ، عن الأم التي ودعت أولادها بهلهولة الشهادة ، عن أمي و طيبة أهلي و طين الجنوب الطاهر ، عن الحكمة في هذا الزمن و الموعظة و عن دروس الحياة التي لا تنتهي .. أكتب عن الحب و الحبيبة التي نذرت ضفيرتها كي يعود حبيبها مكللاً بالنصر .
أما الجمال .. فهو عندي يكمن في بساطة التعبير و الصدق في نقل الإحساس من خلال الكلمات و الأبيات دون الحاجة الى ما هو مكلف 
_ هل أنت مع التجديد في قصيدة النثر وكيف ترى مستقبل الشعر
ربما أختلف معك هنا في مصطلح ( قصيدة النثر ) فالقصيدة في معناها هي ما يجري من كلام على أوزان و بحور و قوافٍ تسري إيقاعات موسيقاها من بداية الكلام حتى منتهاه ، و النثر بطبيعة الحال يختلف عن الشعر في أسس و خصائص من حيث ( اللغة و المضمون و الموسيقى ) و قد ترد الموسيقى في النثر كما أشار في ذلك أكثر الباحثين لكنها تتضاءل تدريجيا من النص و لا تسري على كل إيقاعاته ..أما عن التجديد .. فكلنا نأمل أن يكون الجديد من الأعمال الأدبية يحمل بين طياته الجمال و ينجح في إثارة العاطفة و تحريك  الأحاسيس
_ كيف ترى ما يكتبه الشباب وهل تراه شعرا أم أضغاث شعر
أرى في طريقي فريقين من الشباب .. الأول منهما محافظ ملتزم يسير على ما خطه الأولون و المجددون في مسيرة الشعر و النثر و أن اختلفت المسميات فالإبداع ينصهر في بوتقة الجمال و التوظيف و العمل المتكامل و هذا الفريق لست أنا وحدي من يتنبأ له بالنجاح و ارتقاء سلم الشهرة فقط ؛ بل هي شهادة الكبار الذين أثنوا على إعمال البعض مندهشين في مضمونها الذي سبق أعمار الشعراء و الأدباء و من كلا الجنسين و القائمة تطول فيما لو ذكرت لك أسماءً على وجه التحديد مثلا .
و الفريق الآخر .. لم يتخذ من القاعدة و اللغة و المضمون أساساً في عمله و راح يتخبط في كل ما ينتج متوقعا انه سيرتقي السلم من باب ( خالف تعرف )  و هو بهذا مثله كمثل بيت الرمل الذي لا يقاوم أدنى موجة تمر في بنيته ، فكل شيء بلا أساس هو زائل و عرضة للفشل 
_ دائما أرى فيك حزنا يملأ مساحات عينيك هل هناك سر في هذا
الحزن .. هو حزن هذا الوطن الذي تتناثر أشلاء شبابه و نسائه و أطفاله كل يوم على الطرقات ، نحن يا سيدي تطبعنا على الحزن و الأسى .. فنحن من أخذت منا حرب الثمانينيات ضحكة الطفولة و قيدنا حصار القحط بقيود الجوع و حرمنا من أدنى متطلبات العيش بسعادة ، و ويلات الحروب التي ألقت بالدمار على هذا الوطن و قطعت أوصاله و زرعت الحرمان و اليتم في كل بيت من بيوتنا و كل زقاق من أزقتنا ، لذلك أشعر أن الحزن قد خيم على ملامح و تفاصيل وجهي و الذي عكس حزنه على اغلب قصائدي و أعمالي . و هذا الحزن محال أن ينجلي بسهولة فكل ما في بيئتي محاط بالحزن و الوجع كيف لا و أنا أزف كل يوم شهيدا بعمر الورد كان حلمه أن يكون شاباً له في الحياة نصيب و أنا و كل العراقيين عشنا و نعيش هذا المشهد المحزن يوميا يا سيدي .
_ أين تجد نفسك وسط زحام الشعراء وهذه الفوضى الفيسبوكية 
أجد نفسي في قائمة التلاميذ الذين يحبون خلف أثر الكبار من الشعراء أمثال الكبير البروفيسور محمد حسين آل ياسين هذا الرمز الكبير و العلم الشاهق في سماء الشعر و الشاعر القدير الأستاذ عادل الغرابي الذي منح للقصيدة الصوفية أطراً جديدة و فضاءات جديدة و الأستاذ الشاعر العذب ماجد الربيعي الذي يخط الشعر بطيبة قلبه الذي لا يعرف الكذب و كذلك  الأستاذ الكبير الشاعر إسماعيل حقي صاحب الصور الشعرية الرائعة بكل المعاني .. هؤلاء و غيرهم هم القدوة الحسنة لي و المثل الأعلى فضلا عن الشعراء المتميزين من جيلي 
_ ما الذي يشغلك وأنت منْ اخترت طريق الشعر
يا سيدي .. الحياة و متطلباتها تحتم على كل مبدع و في كل المجالات أن يجنح لها و يميل صوب تحقيق السعادة و لو جزئياً لعائلته من خلال كفاحه لتوفير لقمة العيش و أنت و الجميع يعلم أن دوامة الحياة لا ترحم ؛ لذا بالكاد أجد وقتاً لكتابة الشعر و المراجعة و القراءة فضلا عن أن طبيعة عملي هي ( عسكرية ) و هذه قمة الفخر لي و غاية الشرف لي حين أدافع عن وطني بيدي و قلمي و سلاحي.
_كيف ترى النقد والنقاد .. وهل وجدت النقد الحقيقي أم أنت ضجر منه كالآخرين .
النقد يا سيدي هو وسيلة التعريف بين المبدع و القارئ ؛ إذ يمكن من خلاله دراسة الأثر الفني و الأدبي و إظهار فضائله و عيوبه للناس ، فهو يخدم بهذه الرسالة القارئ و المتلقي من خلاله توفيره للوقت و الجهد و المحاولة في اختيار النصوص و يرشده إلى ما تحسن قراءته و يدله على عناصر الجمال لزيادة الفائدة و المتعة من خلال تقريبه للبعيد في النص و استخلاصه للجواهر الكامنة فيه و فتح آفاق كثيرة للأدب ؛ و لو عكسنا المعادلة لوجدنا أن النقد و النقاد يعنون في خدمة المبدع لأنه يقرب صاحب الأثر الفني من الناس و يشير إلى انجازاته من خلال الدراسة و التحليل و التفسير و التقويم . لذلك أجد في النقد مهمة إنسانية و رسالة أدبية عظيمة يجب أن يفقه من يخوض في غمارها قدسيتها .
أما عن النقد الحقيقي .. فالساحة و الشارع الأدبي يعرفان من هو المميز و من هو المتطفل و من هو الطارئ على النقد و الأدب و هناك أسماء كبيرة في عالم النقد رفعت من شأن هذا النوع و طرزت نتاجاتها بأحرف من نور ؛ و لا أجد نفسي منزعجا من النقد .. لا بل على العكس أجد المتعة في قراءة الدراسات النقدية التي كُرست من أجل الأدب بصورة عامة .

التعليقات معطلة