هدية حسين
كان يتوجب عليّ دفع التهمة عن نفسي بأية طريقة، إلا أنني لا أدري لأيما سبب كنت أصمت مرة، وأمط الكلام مرة، وأتغابى مرات، وألتذ بنفاد صبر الضابط الذي يحقق معي في محاولة القتل التي تعرض لها رجل يدعى سلمان عبد الكريم.. تنفس المحقق بعمق بعد أن أطفأ سيجارته الثانية، عاد للنظر الى وجهي وهو يكرر السؤال:
ـ يا ست نوال، ما هي علاقتك بالسيد سلمان عبد الكريم؟
وللمرة الثانية كررت الجواب:
ـ لم يسبق لي أن سمعت بهذا الاسم، ولم أمر يوماً بشارع الزيتون.
ضرب الطاولة وصرخ بي:
ـ لكننا وجدنا اسمك ورقم هاتفك في مفكرته.
قلت كأن الأمر لا يعنيني:
ـ لا أعرف كيف وصل اسمي ورقم هاتفي إليه، عندما يُفيق من غيبوبته سيجيبك بنفسه.
نهض من على كرسيه متأففاً، دار في الغرفة، وقف أمام النافذة، ثم عاد وجلس وراء مكتبه، وسألني بهدوء مصطنع:
ـ من يعيش معكِ في البيت؟
لم أنظر إليه، بل رحتُ أبحث عن شيء غائم قبل أن أجيب:
ـ ثمة شجرة اقتُلعت من جذورها منذ زمن بعيد، أنا آخر غصونها.
استل سيجارة أخرى وأشعلها، أخذ نفساً عميقاً ثم قال بعد أن نفث الدخان:
ـ أنتِ لا تدركين ما ينتظركِ إذا مات الرجل.
كان السيد سلمان عبد الكريم قد وُجِد غارقاً في بركة من الدماء، أمام باب بيته في شارع الزيتون، نقله الجيران الى المستشفى، وما يزال في غيبوبة.. المعلومات التي حصل عليها المحقق تقول ( سلمان عبد الكريم، تولد 1942، مطلّق، متقاعد، يميل الى المرح ويحب السهر خارج البيت كل ليلة، باستثناء ليلة الخميس، وبرغم ذلك فهو غامض وكتوم فيما يتعلق بخصوصياته، ليس من أصحاب الثروات، لكنه ميسور الحال وكريم النفس) وقبل أن يطوي المحقق أوراقه بعد استجواب الجيران همس له أحدهم بمعلومة، أن امرأة ترتدي عباءة سوداء تزوره كل خميس بعد منتصف الليل.
ضغط المحقق على الجرس، ودخل شرطي على الفور، كما لو أنه كان يمسك بمقبض الباب منتظراً الإذن بالدخول:
ـ أدخِل الشاهد محسن علوان.
كان مايزال يحدق بي منفعلاً عندما دخل الشاهد، وهو رجل في الخمسين من العمر، قصير القامة، له وجه ضفدع، يرتدي دشداشة رمادية وسترة بنية مقلمة، أشار إليه المحقق بالجلوس قبالتي، طلب منه أن ينظر إليّ، وراح يدخن السيجارة الرابعة، ثم سأله:
ـ أليست هذه السيدة هي التي كانت تزور السيد سلمان في بيته؟
بدا مضحكاً وهو يتفرس في وجهي، حتى كدتُ أغرق في الضحك، إلا أنني تماسكت.
ـ لستُ متأكداً يا سيدي.
صاح المحقق محتداً:
ـ أنظر جيداً.
عاد الضفدع وحدق بوجهي.
ـ في الحقيقة يصعب تأكيد الأمر، كما تعلم فإن زيارة المرأة للسيد سلمان عبد الكريم كانت تتم بعد منتصف الليل.
عندما خرج الشاهد، شعرت بنشوة غريبة، كنت أتمنى أن تطول لولا أن المحقق صرخ بي:
ـ سأرميكِ الى زنزانة انفرادية حتى تفقدي صوابك.
هو الذي فقد صوابه عندما رحت دون سبب أبتسم.. ضرب الطاولة بقوة وقال:
ـ ألا تدركين خطورة الأمر؟
لم أجب، أشعل سيجارة خامسة وسأل:
ـ هل كنتِ ترتدين العباءة عندما تذهبين الى هناك؟
قلت ببرود وكنتُ واثقة مما أقول:
ـ لم يسبق أن ارتديت عباءة، ولا أحب العباءات، أنا امرأة عصرية كما ترى.
**
في ساعة متأخرة من الليل، فتح شرطي باب زنزانتي، كان يحمل عباءة سوداء أمرني بارتدائها، وحين فعلت أشار بيده أن أتبعه الى السيارة، كان المحقق بانتظاري عند الباب، قال موجهاً الكلام لشرطي آخر يجلس أمام مقود السيارة:
ـ الى شارع الزيتون.
وانطلقت السيارة في ليل ساكن وشوارع خالية من المارة، حتى وصلنا الى إحدى الساحات، نزل المحقق وأمرني بالنزول، سرت خلفه فيما بقي الشرطي منتظراً، ودخلنا شارع الزيتون، ربما كان شبيهاً بشوارع أخرى تعرفها ذاكرتي، لا أعوّل كثيراً على الذاكرة، فقد أوقعتني باضطرابات لا عدّ لها، وما دام الأمر متعلقاً بجريمة قتل فعليّ أن التزم الحيطة والحذر.
لكنني في لحظة باهرة ربما لا تتكرر، أو ربما هي لحظة استشراف لما سيأتي، رحت أنظر الى الشارع كما لو أن خطاي مشت على ترابه، وكلما خطوت انتابني إحساس من سار بين هذه البيوت ومر في زوايا الأبنية، حتى أنني تذكرت بيتاً ذا واجهة من السيراميك الأزرق المخضر، تتوسطها عبارة تقول (لا تعطوا لأولادكم شيئاً) وكنت كلما قرأت تلك العبارة أردد مع نفسي: الحمد لله ليس عندي ما أعطيه، وفي الحقيقة ليس لي أولاد لأعطيهم شيئاً.
وها هو البيت ينتصب أمامي، والعبارة تشع تحت ضوء النيون، بينما قلبي يخفق بشدة، ولساني ينعقد، والمحقق يأمرني بالنزول، ثم لمحت ظل رجل يقف على بعد أمتار، وينظر باتجاهنا رافعاً يده كمن يحيينا، توقف المحقق وأشار إليه، ولما اقترب تبين أنه الشاهد محسن علوان، الشاهد الوحيد على رؤية تلك المرأة التي تزور السيد سلمان عبد الكريم بعد منتصف الليل، قال له المحقق:
ـ ها قد ارتدت العباءة، قف في الزاوية التي كنت تراها منها وقل الحقيقة.
ابتعد الشاهد بضعة أمتار، وبعد دقيقة عاد واقترب من المحقق وهو يقول:
ـ يا سيدي، النساء في الليل متشابهات.
رد المحقق بيأس:
ـ إذن لم نصل الى نتيجة.
قال الشاهد معتذراً:
ـ لا أريد أن أظلم المرأة، فقد تكون هي، أو لا تكون.
خرجنا من شارع الزيتون الى الساحة ثانية، حيث تنتظر سيارة الشرطة، ورحتُ أختلس النظر الى واجهة السيراميك، وأثناء ما كنتُ أعيد قراءة العبارة قال المحقق بعصبية:
ـ عليكِ أن تعترفي.
فقلت:
ـ ليس عندي شيء أعطيه.
**
قضيت ثمانية أيام في الزنزانة، قبل أن يخبرني الشرطي المكلف بحراستي صباح اليوم التاسع، أن السيد سلمان عبد الكريم أفاق من الغيبوبة وسيعرضونني عليه.. مشاعر مختلطة انتابتني، هواجس غريبة تلاعبت بي، وحين عرضوني عليه نظر إليّ مطولاً، وكان المحقق متحفزاً لأي ملمح من ملامح الرجل الممدد على سرير المستشفى، ولأية كلمة تصدر عنه، كان وجه الرجل مصفراً ومعصوراً، وبعينين ذابلتين وكامدتين، سأله المحقق:
ـ هل تعرف هذه السيدة؟
راودني في هذه اللحظة إحساس بأنني أعرف الرجل، وانتظرت مثل المحقق ما سيقوله، خرج الكلام من بين شفتيه بطيئاً عندما قال:
ـ كلا.. لا أعرفها.
عند باب المستشفى قال المحقق كأنه يطردني من المكان.
ـ يمكنك الرجوع الى بيتك.
وها أنا في بيتي، لم أعد أتذكر الكثير عن الزنزانة، بل يمكنني القول بأنني نسيت وجه المحقق… وبعد أيام طويلة على تلك الحادثة، وبينما كنتُ أفتح خزانة ملابسي لأرتبها، وجدتُ عباءة سوداء في قعر أحد الأدراج.

