بقلم الكاتب \ حسين الساعدي
الجزء الاول
لسان حال الشاعر هيثم الطيب وهو يعلن عن إنجازه الشعري :
(لا أخشى أن أفنّد بقدر ما أخشى أن يساء فهمي )
الفيلسوف الالماني “إيمانويل كانت”
النص الشعري معرفية متراكمة في جوانبه النفسية والعاطفية والفنية ، وهو فن إبداعي يصدر عن تجربة ذاتية واعية ، يعتمد الحدس وصراع الوعي واللاوعي للشاعر ، لأجل إيجاد متكئ إبداعياً يستند اليه في عملية التنشئة الشعرية . الشاعر “هيثم الطيب” تبنى فلسفة في تجربته الشعرية ، تقوم على أساس التخلص من حالة (الأستغراق الذهني) في كتابة النص الشعري ، والأعتماد على التلقائية والحدس الشعري في التدفق الشعوري والأمساك باللحظة الشعرية المشبعة بالدلالة ، يقتنصها في لحظة خاطفة ، يسكبها بقالب شعري وفني وجمالي ، معتمداً اللغة المباشرة بعيداً عن التشبيه والمجاز والتركيب اللفظي . وأستطاع أن (يخلق من النص قيمة فنية وجمالية ذات رفعة في غايتها و مؤثرة في وجدان المتلقي ، بحيث نلتمس البعد الإنساني وما ينتج عنه من ˜يان عميق) . فهو يريد ان يحدث نمطاً شعرياً معيناً ذات رؤية وشكلاً إبداعياً مغايراً ، هذا النمط هو ، اللحظة الشعرية أو (قصيدة اللحظة) ، كما أسماها . إذاً نحن أمام نصوص ذات موضوعات متعددة تحمل مضامين إنسانية متنوعة ذات نزعة كونية في تناول الهم الإنساني الواحد ، وتعدد أغراضه (الحرب ، الأنسان ، المرأة ، … ) .
أن النص الشعري العربي الحداثوي ، دائم التغيير ويُطرح بأشكال وبصيغ متعددة ، هذا التغيير يتناسب مع طبيعة العصر وسرعة تتدفقه وإيقاعه . كذلك الذائقة الشعرية للمتلقي متغيرة ، فهو يتجه في ذائقته الى النص الشعري القصير ، الذي شكل علامة فارقة في الكتابة الشعرية المعاصرة ، لأنه نص رغم قصره ، يحمل تكثيفاً وعمقاً وتركيزاً وأقتصاداً في اللغة .
تضمنت مجموعة الشاعر “هيثم الطيب” الشعرية (أقرب مما ينبغي) ، رؤية تأسيسية حملت عنوان (قصائد لحظة) ، أحتوت على (225) نصاً قصيراً ، جاءت دون عناوين تذكر ، بل أدرجت مرقمة . يقول الشاعر “هيثم الطيب” في مقدمة مجموعته الشعرية (أن الغاء العنوان الشعري لنصوص المجموعة وأستبداله بقيمة عددية على النحو الترقيمي في النص اللحظوي ، يستجيب لفكرة المتن الشعري في النص الحداثوي) “اقرب مما ينبغي” ص٦ ، أي أن نصوص المجموعة ((منزلقة)) عن العتبة الاولى (العنوان) ، الذي شكل (الحركة الدلالية والسيميائية داخل المتن الشعري) ، وكأن هذه النصوص نصاً شعرياً واحداً ، وأن تنوعت مضامينها وصورها الشعرية . لأن ( فكرة الغاء العتبة السيمائية في “النصوص المنزلقة” لا يؤثر على مجمل النص الذي ارتهنت عتبته بالنص السيمائي الأول ) “الإنزلاقية النصية بين المكتوب واللامكتوب” محمد شنيشل فرع الربيعي . العنوان مفتاح أولي على حد تعبير “أبو هلال العسكري”:(الشعر قفل أوله مفتاحه) . هناك ترابط بين دلالات العنوان وجماليته من جهة ، وبين نصوص المجموعة من حيث المضمون من جهة أخرى . فنرى أن نصوص المجموعة ((منزلقة)) عن العنوان الرئيس ، الذي يمثل بنية أشارية دالة . يمكن من خلالها أن يلج المتلقي إلى النص في محاولة أولية لفهم أبعاد النص الدلالية والرمزية ، لذا أعتبر العنوان علامة سيميائية قائمة بذاتها . فأنتفاء العنوان في كتابة النص الشعري له دلالتة في نص اللحظة ، بفعل (التوليد الدلالي ) للعنوان الاول والذي أعده الشاعر في مقدمة مجموعته (خرق تاريخي لسياق متفق عليه) “اقرب مما ينبغي” ص٦ . وهذا ليس (خرقاً تاريخياً) كما أسماه ، لان النص القصير بكل مسمياته (الهايكو ، الومضة ، …) ليس له عناوين فرعية ، وأنما نص يكتفي بعنوان المجموعة فقط أو بالقيمة العددية أو بوجود فاصلة بين نص وأخر ، وهذا ما أشار اليه الشاعر .
أشتغالات “هيثم الطيب” في لحظته الشعرية كانت على السيرورة الزمنية في بنية النص ، حيث أخذ الزمن مساحة واسعة في رؤيتة ، ابتداءً من (اللحظة) التي تشكل وحدة زمنية قصيرة بمقدار لحظ العين ، وأنتهاءً بما تكتنزه هذه اللحظة من دلالات رمزية وقدرة تأملية في أثارة الدهشة عند المتلقي ، يقول الفيلسوف الفرنسي برغسون:(ما من أحد كالشاعر يحس بالزمن) ، واللحظة في قصيدة “هيثم الطيب” مبنية اساساً على سرعة الإيقاع ، لأنها – اللحظة – الوحدة التي تختزن الدلالة الزمنية المعبرة ، والتي يدور في فلكها النص الشعري ، المتسم بوحدة الموضوع وكثافته وأختزاله ، وهذا من سمات العصر المتسم بالإيقاع السريع للحياة ، من جانب ، ومعبرة عن لحظة أنفعالية من جانب أخر .
تقوم مجموعة “هيثم الطيب” الشعرية على تقنيات تكثيف العبارة وعمق المعنى . مع الجنوح الى التركيز والإيجاز للتعبير عن اللحظة مع توظيف سايكولوجية التواصل الشعري بين نص وأخر ، في سياق حسي مقترن بالحياة .
٤
يمكن الان البحث عن أبي
ربما يكون ذهب الى العمل
وربما يكون الوقت قد نفد
أو تغير
٥٠
سوف لن أفعل شيئا لوحدي
قلبي يعرف الكثير
عن هذه الحياة
أرغب بأن أتكلم معه الى الابد
كم كنت سيئا
وكم كان كبيرا ليفعل كل شيء
٧١
مثل صلاتك
بقيت ذكراك
أيها الاب ماثلة كمعبد
١٧٧
لأنك أصبحت في مكان أخر يا أبي
سأشير الى روحك الخالدة
وكأن الأيام أنقضت
ولن تعود
في هذه النصوص نلاحظ تباعد في دلالتها الرقمية ، ولكن متواصلة في حدثها ومضمونها ، فهو -الشاعر- في النص يعكس صورته التي يكتبها ، وأحساسه بهذه الصورة ، عبر علاقة لا تتم بمعزل عن حضور الفكرة في النص (الأب) بمخيلته وذاكرة أيامه .
نص “هيثم الطيب” يقوم على تقنيات فنية في تشكيل بنيته . أضافة الى أنه يتسم بالوعي الذي ينم عن تجربة إنسانية مرتبطة بإنسان كوني من خلال مضامينها . فـ(قصيدة اللحظة) ترتقي الى مستوى تأويلي على المتلقي أن يعثر على دلالاتها ، فهي تتصف ببعد تأملي فلسفي ، وصعوبة إتقانها ما لم يتسلح كاتبها بمخزون ثقافي ، من القدرة والمهارة في الأختزال ، أو في الأقتصاد الدلالي والتكثيف .
٣
في حدود الاسى
ربما يتوقف
الكلام
١٥
في المنفى
حريتي أبعد مني
وأنا وحيد
معلق كقميص على الحبل
٢٠٩
أقف مندهشا تحت مظلتي
لكي أحتمي من الاخطاء
التي تسقط على البشر
الزمن في قصيدة اللحظة شكل ركيزة أساسية في بناء النص الشعري ، ويمكن الوقوف عند مظاهر هذا الزمن في بناء قصيدة اللحظة ، من خلال الحضور المكثف في استخدام صيغة الفعل المضارع داخل النص وما يوحي به ، والدال على الحركة والحيوية والاستمرارية في المعنى والصورة ، فمن خلال صياغات الفعل المضارع تصاغ الصورة الحسية واللحظة الجمالية للنص . فدلالة أستخدام الفعل المضارع أهم ما يلاحظ في نصوص مجموعة (اقرب مما ينبغي) ، أن الزمن في النص الشعري ، شكل منفذاً واسعاً أمام الشاعر ، وهو يوظف تقنية الفعل المضارع بشكل مكثف ..

