ناهض الخياط
هكذا قادنا عنوان المجموعة الشعرية ( مهر حريتي ) للشاعرة السورية ( ميساء زيدان ) الصادرة عن المركز الثقافي للطباعة والنشر \ بابل \ لسنة 2016 . وقد مهد لها بمقدمته الشاعر د . ( وليد الزبيدي ) فاتحا عليها نافذة واسعة ، تتيح لقارئها ، مع عنوانها ، أوليات الإحاطة بمضمونها ، ومنها : ( بين أيدينا ديوان ، لكنه ، برأيي أربعة دوواين ، فكل نافذة هي ديوان تحمل موضوعا ، وفنا ، وفلسفة ، ومنهجا ، تختلف عن النافذة التي تليها ، هي نماذج حية توحي إلي خضرة أمل ، ونسمة صباح ، تؤشر خطوة جديدة ورائدة في شعرنا العربي … ) . لقد ضمت المجموعة ( 46 ) نصا ، توزعت على وفق أشكالها إلى أربعة أقسام ، أو نوافذ كما سمتها الشاعرة ، وهي :
1 : نافذة النثر ( 17 ) نصا .
2 : نافذة النص الجامع ( 4 ) .
3 : التفعيلة ( 15 ) .
4 : الشعر العمود ( 10 ) .
في البدء تثير انتباهنا كلمة ( مهر ) بما تعنيه إشارتها كون الشاعرة أنثى ، فندرج شعرها إلى ما يسمونه بالشعر النسوي عندنا ، وإلى ما تثيره أيضا من علاقته بتقاليدنا الشرعية في مجتمعنا .
غير أن كلمة ( حريتي ) تتجه بدلالتها المعروفة إلى نضال الشعوب ، وما تقدمه من دمائها مهرا لتحقيق حريتها . وهذا ما تعنيه الشاعرة في عنوانها ، وهو ما أوجبت نفسها بدفعه للحصول على حريتها ، وحمايتها من براثن القهر والاستلاب . وقد تصدت الشاعرة في قصائدها لذلك بشجاعة نادرة ، لكون مجتمعاتنا الآن ترفض المرأة التي تتكلم عاليا كما يتكلم الرجال ، وهي تدافع عن بنات جنسها ، إذ يجعلهن الغارقون في عماء جهلهم سلعا تشترى وتباع ، يتعامل معها مالكها الرجل كما يشاء . ولكون ( ميسون زيدان ) شاعرة مثقفة ، رسمت لنا بكلماتها الشاعرة ما تعانيه ، وما يتمثل لها من معاناة غيرها ، فارتقت ببيانها إلى مستوى موقفها الصريح من واقعها ، كما في قصيدتها ( بقية وطن ) :
( ماذا تبقى من وطن ؟
حصدوا بقايا القمح
وابتاعوا الضمير
وصادروا حتى الكفن )
كما تجلى وعيها في رؤيتها الإنسانية العابرة لحدود التعصب بأشكاله المختلفة ، إذ تقول في قصيدتها ( حلم ) :
( وفي وطن يتهاوى فيه
الظلم ، البغضاء ، الحرب ، الدرب المسدود …
الصفر ، الحمر ، البيض ، السود … )
في نوافذها الأربع ، يظل الشعر العمودي ماثلا في نسيجها بوزنه وبناه ، ففي نافذتها الأولى ( النثر ) تطالعنا الشاعرة بحزمة من بنى تفعيلة العمود ، ‘ذ تنفتح نافذتها بمقطوعتها الأولى ( سونيت 1970 ) :
لهفي على وطني
يغتاله السراق
يستل من كفني
خريفه الأوراق
لهفي على شجن
ما قيمة الأشواق
تدفعنا هذه التشكيلة الشعرية إلى التساؤل عن خضوعها لهيمنة العمود ، فربما يرجع ذلك إلى مضامينها المتفجرة ببوحها الساخن الذي يجد في إيقاع العمود صوته المترنم المثير . وبهذه الإنفعالية المتدفقة ، أوقعت الشاعرة نصوصها في مطبات مخلة بإيقاعها ، يمكن للشاعرة ملافاتها لولا انسياقها في انفعالها المتمرد على هواه .
غير أن الشاعرة تتألق بشعريتها الصافية بعيدا عن مطبات أوزانها بما ارتقت به شاعريتها في في ومضاتها السبع ، والتي يمكن للشاعرة أن تدفعه مهرا لاعترافنا بشاعريتها الواثقة ، ومنها :
الجميع يعرفونك
لأن صورتك
في عيني … !
————-
متى يبدأ قلمي بالكتابة
أعلم أنه سيكتب
اسمك … !
————-
جسدي عطش دائم
دائم
لعطرك … !
وحين ننهي طوافنا في ما فتحته لنا نوافذها ، ومع آخر أبياتها من قصيدتها ( هاتفي ) :
أثور وانت قائد ثورتي
إليك أرجع طفلة كالشمس
إليك حبي إذ يزيد حلاوة
إليك حبي خاليا من دنس
نطلب من الشاعرة ، هنا ، أن تفتح لنا مجموعة شعرية ثالثة ، تصور فيها ما تعبق به أرضها ، وبحرها ، وجبالها ، وما تزدهي به من صور الجمال .