قراءة : أشرف قاسم 
مع ظهور المدرسة الرومانسية بداية القرن العشرين ظهر معها تيار اصطلح النقاد على تسميته بتيار الذاتية ، وقد يتخيل البعض أن الذاتية تعني الانعزال عن المجتمع ، أو هجر المبدع لأِرض الواقع والعيش في الأبراج العاجية بعيدًا عن قسوة الحياة وضجيجها ، ولكنه تصور يجانب الصواب ، إذ أن الذاتية لا تعني الانكفاء على الذات والتسليم لإحباطات الحياة وانكسارات الواقع ، بل هي نقطة انطلاق من الهم الذاتي إلى الهم العام بطريقة يغلب عليها الطابع الشجني ، بل المغرق في الحزن أحيانًا .
إذن فتيار الذاتية قادر على أن يضيف وأن يشارك في قضايا المجتمع ولكن من خلال الذات / الفرد / الذي هو اللبنة الأولى والأهم في بناء هذا المجتمع ، فالذاتية إذن انبثاقٌ وليست انعزالًا .
في ديوانه الأحدث “ وقائع حزن مقدسي “ للشاعر عمر غراب نلمح بداية من العنوان هذا التشظي الذاتي الذي يعانيه الشاعر / الإنسان / في هذا العالم ، وهذا القلق الذي هو نتيجة طبيعية لانكسار الحلم على صخرة الحياة الصلبة ، في محاولات متكررة للخروج من أسر هذه الإحباطات المتتالية :
أيهذا الزمان الوليد
كم بذرت الأسى في فجاج الشروق
مستهام الندى لا يكف الصباح
نحو وجه المحال
عند جسر الضياع ص 9
يحضر الوطن بصور شتَّى في نصوص الديوان .. القدس ، مصر ، المرأة ، القصيدة ، كلها صور شتَّى للوطن الذي يرسمه الشاعر عبر نصوصه المتعددة:
مصر عاشت ولم تزلْ
فتنةَ الحبِّ والوَلَهْ
يشتهيها صعودها
فالأماني مُغَلَّلَةْ ص 8
………….
أعيديني إلى نهرك
فكم عانيتُ ترحالي ص 82
يبتعد عمر غراب بنصوصه عن الغموض المستهجن والتعتيم قدر الإمكان ، هذا الغموض المذموم الذي يشبه التعقيد اللفظي والمعنوي ويكد الذهن – بتعبير عبدالقاهر الجرجاني – ففيه معاظلة والمعاظلة عدم دلالة الألفاظ على المعاني ، ولكن الغموض في بعض نصوص الديوان غموض محبب بمعنى تركيب صورة جميلة تؤدي إلى إعمال الفكر والغوص في المعاني للخروج بالدرِّ :
أحبك نهرًا وأعرف أن الغرام اجتياح
وأن الطريق إليكِ مزارُ نجوم ونبض صباح
تمزق قلبي يداكِ بعنفٍ وبعض ارتياح ص 34
يهتم عمر غراب بالبنية الدلالية لنصه تلك البنية التي يحاول من خلالها تجاوز المطروق في النص الشعري والارتقاء بنصه قدر الإمكان ، وكذا في تركيب الصورة الشعرية الطازجة البعيدة عن الابتذال :
عقَّ الأماني بقلب حلمه أرِقُ
تاق المساءُ له والنجمُ والقدَحُ
يجتاز من صمته إيقاعَ أغنيةٍ
إنْ خانه الشوقُ سوَّى حزنَه الفرَحُ ص 57، 58
وكذا في ابتعاده عن الخطابية وإن لم يتخلص تمامًا من المباشرة في بعض نصوص الديوان ،ولكن المباشرة في نصوصه ذات تأثير وسطوة تعبر عما يدور في نفس المتلقي ، إيمانًا من الشاعر بدور الفن / الشعر / في التعبير عن الإنسان :
أتيتُ أروج للسائلين بقايا نهار
وأرسم فيه الجهادَ المقيتَ بدمعٍ ونار
ترفرف زيفًا وخلف الزوايا شئون صغار
ليمضي الجميع لحتف مرير وبعض انتظار ص 13
كما يبدو اهتمام عمر غراب بنسج الصورة الشعرية البسيطة والعميقة في آنٍ ، تلك الصورة الموحية بما خلف الكلمة دون قلق أو توتر ، حاملة فكرة الشاعر ببنيتها الدلالية المتشعبة :
عيناكِ موعدنا فكيف إذا مضى
شلال أحلامي لغير براءتي
وطفولة الشفتين ترنو ، تشتهي
أوجاعَ عمري كلَها في لحظةِ
الحب كنزُكِ والوفاء فريضةٌ
فمتى سينتحر الجنونُ بقبضتي ؟ ص 36 ، 37
عمر غراب شاعر مبدع ، مخلص لتجربته ، ومازال لديه الكثير ليقدمه للقارئ ، ونحن في الانتظار .

التعليقات معطلة