قيس مصطفى 
رأس الغول
 أترينَ الحقلَ الكبير؟ أن أحبّكِ: أن أعشِّبَهُ. أترينَ البئرَ المطمورةَ، وقصبَ الأحياءِ القائمِ على عُصاراتِ الموتى، أنابيبُ السَّماءِ إلى الأرض وَأصلُ كلِّ مزمار؟ أن أحبّكِ: أن أعصرَ القصبَ، وأن أصنعَ منه سطوحاً لا تتأثر بالرِّمايات.
لا أنادي أحداً بأن أرفع صوتي وأقول: يا..
ولا أفعلُهَا وعنقي تحتَ سكِّينِ الضَّجَر، ولا أفعلُهَا، وحولي مغنّين أشدَّ وثنيّةً من فكرةٍ مجرَّدَةٍ، ولا أبدأُ قصيدتي بانقطاعاتٍ، ولا أضمّنها انقطاعاتٍ، ولا أُنهِيها. وأن أحبَّك، أن تكوني مثلي، ترينَ عن كثبٍ، حقلاً كبيراً وبئراً مطمورةً، ورجالاً، ونساءً، يمضونَ فتسقطُ ألوانهم كَّلما ابتعدوا.
أقولُ لأبناء الشيحِ المُحاصَر: لا تكنسوا الطُرقات، الملائكةُ لا تمشي حافيةَ الأقدام. ومن العظيم لكم أني معكم. وأني أسألُ امرأةً كانت ستصير منكم:  
أترينَ الحقلَ الكبير؟ والبئرَ المطمورةَ، والذاهبين خلسةً إلى شفقٍ محدودٍ، وتتشعَّب منهم ظلال، وتسقطَ منهم ألوانهم، وأنا ثابتٌ على قلبي، نجمٌ وينتظرُ المغيب..
منكب الجوزاء
 وما الصَّباحُ، أنْ تشرقَ الشَّمس؟! كلَّا. وما الصَّباحُ، أن تفركَ عينيكَ بأصابعَ بالكادِ تتحرَّك؟! كلَّا. كانُوا طِوالَ الَّليل يُلْقونَ قنابلَ مضيئةً في السَّماء، وكانتِ تُشرقُ الأنوارُ الحربيَّةُ من جِهِةِ التِّلالِ العاليةِ، وأنا أفركُ عينيَّ دائماً حينَ لا أُصدِّقُ ما أَرى، وحينَ أَنزِلُ من امتطاءِ درَّاجةٍ ناريَّةٍ. فما الصَّباحُ إذاً؟
إنَّ الصَّباحَ هو علاماتُ الصَّباحِ. كأن تقولَ: للِّيلِ دَأبٌ، ولمِا بعدَ الظَّهيرةِ كُنْهٌ. أو أنْ تَعُبّ أوكسجيناً زائداً عن حاجتكَ للنفَسِ الواحِدِ، فتقول: للغُرُوبِ سِيْماء. مخطئٌ إن قلتَ: إِنَّ الظِّلَّ امتناعُ الشَّمسِ عن الوصُول. أو إنَّ الخُسوفَ هو تموضُعٌ. فما هما إذاً؟!
هما أشياءٌ بذاتِها. الظِّلُّ هو الظِّلُّ يأكلُ ثلاثَ وجباتٍ في النَّهار. والخُسُوفُ موسميٌّ كالفاكهةِ. ثمَّ ماذا؟!
لا طائلَ من الجلوسِ، وأنتَ تعلمُ، أنَّك من سنينَ ما زلتَ جَالسِاً، على بطنكَ، مثلَ حشرةِ كافكا. والعًمل؟! لا شيء. فكِّر بألحانٍ يغنِّيها موسيقيٌّ بارعٌ على اليرغول، وأَنَّكَ تشوي أَرنباً اصطدتَّه، على نارٍ هي نارٌ أنتَ أشعلتَها، وأَنَّكَ تشربُ خمراً مصنَّعاً، وتنتظرُ حُبَّاً يَهُبُّ من إِحدى الجهات. كلّ هذا؟! نعم. خذِ الأشياءَ كما هي و«اقتصدْ في السَّرد».
المرأة المسلسلة
عاشَ دون أن يُحبَّ، بعدكِ، كأنّه المُجرَّد، أو كأنَّه عشبٌ ما ضائعٌ في كثيرٍ من عشبٍ آخرَ، ونام، حينَ عاد من مشوارٍ في البردِ. ولا كأنَّهُ غنَّى يوماً ما، أغنياتٍ قديمةٍ، ولا كأنَّهُ بجًّل أناشيد. وعاشَ دونَ أن يُحبَّ لأنَّهُ دوماً شديدُ الإِغراق، ومُضيِّعُ أورِدةٍ، وما شابهَ، وخُطىً تقودُ إلى ضلالاتٍ شتَّى.
وما ماتَ إلى اللحظةِ إلا لأنَّهُ مزيداً عاشَ دونَ أن يُحبَّ، ولأنَّهُ شديدُ الإطالةِ في التَّذكُّرِ. لا زادهُ من ذاكَ الذي يشفي نهمَ الجائعِ، ولا ماؤُهُ الدَّافئَ يروي من القحطِ، وأَحياناً، وليسَ كثيراً، ينتابُهُ البُعدُ، والسُّقوطُ في حنينٍ إلى مخاوفَ. من ضِلعِهِ المقوَّسُ يشدُّ وتراً ويصوِّبُ إلى دريئةٍ ما في الرُّؤى، والقلوبُ التي في حياداتها. سلاماً، وناراً، وماءً عليه حين يفيقُ من إغفاءةٍ ولا يعرفُ إلى أينَ يمضي، وحينَ في جوفهِ تعبٌ من السُّكْرِ، وفي رأسهِ رغبةٌ أن يشربَ بحراً وامتداداتِهِ.
عاشَ دونَ أن يُحبَّ، بعدكِ، كأنَّهُ المُحدَّدُ، أو كأنَّهُ سِكَّة قطارٍ ولا تنتهي احتكاكاتُها حين تعبرُ قطاراتٌ تُقِلُّ من لا يُدهِشهم قطاراتٌ شماليَّةٌ تجعلُ الأقاصي أقاصِي لغيرهم.
كانتْ حياتُه غُفلاً، دونكِ، وقصائدهُ، غُفلاً، دونكِ، وكلُّ أُنشودةٍ أنشَدَها، عن أنهارٍ كانَ يريدكِ معها، صاعدةً من أرضِ للأساطيرِ إلى أرضٍ بلا حكاياتٍ تُقلُّ الدَّهشةَ وآلامَ القلوبِ إلى مقابرَ فوضويَّة، وأخرى، شديدةِ التَّنسيق
عاشَ دونَ أن يُحبَّ، بعدكِ، باعتياديِّةٍ، وماتَ في عيشتهِ المديدةِ لأنَّه أحبَّكِ.
صدر الدجاجة.. ذنب الدجاجة
الزَّنبقةُ في الأَصِيصِ الأَسودُ أكلتَها الدَّجاجةُ المُزَركَشة. وأنا كنتُ أنتظرُ الزَّنبقة بقلبٍ أخضرَ. ثمَّ مدحتُ خرابي وأسبابَ خرابي،
 تعالي بقمحٍ كثيرٍ،
وفي كلِّ الأنحاءِ وما جاوَرها ما سمعتُ عن أحدٍ اصطادَ حُبّاً،  
يرميهُ البحرُ عادةً، أو تذروهُ في وجهكَ الرِّيح. يأتي فتفتحَ له شقّةً ولو مهدَّدةً بالهدمِ، تزيلُ الشّيحَ من دربه، وتقلع الأساطيرَ القديمةَ عن الهوى من لثّة الذِّكريات.
ومن ثمّ، أقول لكَ: ما سمعتُ عن أحدٍ اصطاد حُبّاً، ولا عن أحدٍ رمى شِبَاكاً فتدافَعَتْ إليها حوريَّاتٍ وحِسانٍ، ولا عن امرأةٍ كانتْ لأحدٍ فمضَتْ إلى غيرهِ
ومن ثمّ  أقول لكَ: إِنَّ الحبَّ لا يحصلُ هكذا. عليكَ أن تكون أنتَ قلباً، أو قمراً، أو نهراً، أو طارقيّاً لا يرجعُ من دربٍ ولو مات
سمعتُ عن كثيرينَ اصطادوا كثيراتٍ
وماسمعتُ عن أحدٍ اصطادَ حباً،
عليكَ أن تصدَّقني..

التعليقات معطلة